تحذيرات للمنصوري من فجوات تعرقل استفادة المواطنين

الكاتب : عبد اللطيف حيدة

13 October 2026 - 05:00
الخط :

حذرت منظمة "الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان" من أن استمرار الفجوة بين النصوص القانونية والسياسات العمومية وبين استفادة المواطنين منها فعليا، قد يفرغ عددا من الحقوق من مضمونها العملي.

ودعت المنظمة حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى جعل أثر السياسات على حياة المواطنين معيارا أساسيا في تقييم أدائها.

وطالب "الوسيط"، في مذكرة موجهة إلى رئيسة الحكومة المعينة بشأن البرنامج الحكومي المرتقب، بالانتقال من منطق إحصاء القوانين والمؤسسات والبرامج والموارد إلى قياس مدى تمكن الأشخاص من ممارسة حقوقهم والولوج إلى الخدمات المرتبطة بها، محذرا من الاكتفاء بإعلان البرامج والاعتمادات دون التحقق من نتائجها على أرض الواقع.

وأكدت الهيئة، في بلاغ، أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بإقرار الحقوق في النصوص أو إحداث المؤسسات وتخصيص الموارد، وإنما بمدى ضمان الإنصاف والجودة والاستمرارية في استفادة المواطنين من تلك الحقوق والخدمات.

خمس فجوات 

ولفت "الوسيط" إلى وجود خمس فجوات أفقية قال إنها تحد من النجاعة الفعلية للسياسات العمومية، داعيا إلى معالجتها ضمن البرنامج الحكومي الجديد.

وأوضح أن أولى هذه الفجوات تتمثل في المسافة بين الإطار والتنفيذ، إذ قد يتم إقرار برنامج أو مرفق دون أن يدخل حيز العمل في الوقت المطلوب، أو دون استكمال الشروط التي تضمن استمراريته.

ونبهت الهيئة إلى فجوة ثانية بين التسجيل والاستفادة، مؤكدة أن إدراج المواطن في نظام أو برنامج لا يعني بالضرورة تمكنه من حقوقه أو حصوله على الخدمات بشكل منتظم.

كما شددت على أن ارتفاع الاعتمادات المالية وتوسيع البنيات لا يؤديان تلقائيا إلى تحسين جودة الخدمات، في ظل استمرار الخصاص في الموارد البشرية أو سوء توزيعها وصعوبة الولوج إلى عدد من المرافق.

وحذرت، في السياق ذاته، من تجاهل التفاوتات الاجتماعية والمجالية، مؤكدة أن تحسن المتوسطات الوطنية لا يكشف بالضرورة حقيقة استفادة الفئات الهشة والمناطق الأكثر خصاصا.

أما الفجوة الخامسة، فتتعلق، بحسب الهيئة، بضعف الالتقائية ومحدودية البيانات، نتيجة تداخل المسؤوليات بين القطاعات والمستويات الترابية، فضلا عن نقص المعطيات المرتبطة بالنتائج وجودة الخدمات وحجم الاستفادة والأثر.

ودعت الهيئة، إلى إعادة النظر في آليات تتبع السياسات العمومية، والانتقال من رصد ما تم إنجازه من برامج وتدابير إلى التحقق مما أحدثته فعليا من تغيير في حياة المواطنين.

واستند "الوسيط" في مقترحاته إلى خلاصات تقرير حول تقييم حصيلة العمل الحكومي في مجال حقوق الإنسان خلال الولاية 2021-2026، أنجزه الباحث والخبير يوسف اغويركات بتكليف من الهيئة، وشمل الالتزامات الحكومية ذات الصلة بحقوق الإنسان ضمن 17 محورا.

ولفت التقرير، وفق المذكرة، إلى تفاوت مستوى تنفيذ الالتزامات بين ما تحقق وما لم يتحقق، وبين الإنجاز الجزئي وغير المكتمل، مسجلا أن التقدم في مجال القوانين والمؤسسات والموارد والبرامج لم يتحول دائما إلى استفادة فعلية ومنصفة أو تحسن مستدام في جودة الخدمات.

وشدد "الوسيط" على ضرورة تغيير مركز الاهتمام من قياس حجم التدابير والموارد إلى قياس إعمال الحقوق، داعيا إلى اعتماد مؤشرات تكشف عدد المستفيدين فعليا، والفئات التي بقيت خارج التغطية، وأسباب عدم الاستفادة أو انقطاعها.

وطالبت المنظمة بربط تقييم المرافق بتوفر الأطر والتجهيزات والصيانة ومواعيد العلاج، إلى جانب قياس جودة الخدمات واستمراريتها والتكاليف التي يتحملها المواطنون، مع توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر خصاصا.

وفي التعليم والتكوين، دعت المنظمة إلى اعتماد مؤشرات تقيس الاستمرار في الدراسة والتعلم والجودة والإنصاف، وعدم الاكتفاء بإحصاء المؤسسات والمقاعد والبرامج، مع معالجة الاكتظاظ ونقص التأطير والفوارق المجالية.

وبخصوص الأشخاص في وضعية إعاقة، شدد الوسيط على أن الولوجيات والنقل والخدمات الدامجة يجب أن تصبح شروطا فعلية لتمكينهم من حقوقهم في التعليم والصحة والعمل والإدارة والثقافة.

كما طالب، في مجال التشغيل، بقياس الاستقرار المهني وجودة العمل والحماية الاجتماعية والولوج إلى فرص الشغل، بما يشمل نتائج برامج التكوين والتشغيل ومدى احترام معايير العمل اللائق.

وفي ما يتعلق بالخدمات الإدارية والرقمية، نبه "الوسيط" إلى ضرورة قياس جودتها واستكمالها وسهولة الولوج إليها، مع حماية المعطيات الشخصية والإبقاء على قنوات غير رقمية لفائدة الأشخاص الذين يحتاجون إليها.

ربط الميزانية بالإنصاف

ودعا "الوسيط" إلى إدماج تقييم الأثر الحقوقي في صناعة القرار، عبر فحص انعكاسات التشريعات والبرامج الكبرى على المساواة وعدم التمييز والولوج إلى الخدمات وحماية الفئات المعنية، ثم تقييم نتائجها بعد التنفيذ.

كما طالب بربط الميزانية والبيانات بمبدأ الإنصاف، من خلال نشر معطيات قابلة للمقارنة ومفصلة حسب الجهة والوسط والجنس والعمر والإعاقة والوضع الاجتماعي.

ونبهت الهيئة إلى ضرورة التعامل بوضوح مع حالات غياب البيانات أو خط الأساس، داعية إلى الإعلان عن مكامن النقص وتحديد آجال لمعالجتها، تمهيدا لإرساء ميزانية تستجيب لحقوق الإنسان وتقوم على مؤشرات قابلة للقياس.

وحذر "الوسيط" كذلك من أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والرقمية قد تفرز أشكالا جديدة من الإقصاء، داعيا إلى استباق آثارها، خصوصا في ملفات الماء والبيئة والتفاوتات المجالية وحماية المعطيات.

وشدد المصدر على ضرورة وضع برمجة واضحة لمتابعة توصيات الآليات الأممية لحقوق الإنسان، والعمل على استكمال ملاءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية للمغرب.

الديمقراطية والحريات

وطالبت مذكرة "الوسي" باستكمال البناء المؤسساتي المنصوص عليه دستوريا، وتسريع تنصيب المؤسسات التي لم يتم تفعيلها، ومعالجة الوضعيات غير العادية التي تعرفها بعض المؤسسات القائمة.

كما دعا إلى اعتماد خطة وطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، تتضمن أولويات واضحة ونتائج قابلة للقياس ومسؤوليات وموارد وآجالا محددة، حتى تصبح أداة للتنسيق والتنفيذ والمساءلة.

وطالبت المذكرة بإقرار إطار تشريعي للتشاور العمومي يحدد أدوار والتزامات السلطات العمومية والمجتمع المدني وباقي المتدخلين.

كما دعا إلى مراجعة القوانين المنظمة للجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة، بما يشمل إلغاء العقوبات السالبة للحرية وتكريس الطابع التصريحي في تأسيس الجمعيات، ووضع حد لما وصفه بالتجاوزات التي تمس هذه الحقوق.

وشددت الهيئة أيضا على ضرورة تسريع تعزيز الطابع الرسمي للأمازيغية، وإخراج مدونة الأسرة بما يواكب التحولات الاجتماعية، ومراجعة التشريع الجنائي بما يتلاءم مع الاتفاقيات الدولية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

ودعت إلى اعتماد سياسة دامجة للفئات الأكثر عرضة للهشاشة والتمييز، من أطفال وأشخاص في وضعية إعاقة ومسنين ومهاجرين ولاجئين، مع تعزيز الاهتمام بالأجيال الجديدة من حقوق الإنسان، خاصة الحقوق البيئية والعدالة المناخية والحقوق الرقمية والأخلاقيات البيوطبية.

ودعت المذكرة إلى التعامل مع الفساد والرشوة والاحتكار باعتبارها قضايا مرتبطة بحقوق الإنسان، مؤكدا أن حماية الحقوق لا تنفصل عن ترسيخ الديمقراطية ودولة الحق والقانون.

كما عبرت الهيئة عن تطلعها إلى أن تعيد الحكومة النظر في علاقتها بالمؤسسات الدستورية، بما يعزز التوازن والتعاون والتفاعل الإيجابي مع توصياتها، مع التشديد على التفعيل الأمثل لمقتضيات الفصل 160 من الدستور

 

آخر الأخبار