اعمارة يحذر من استمرار عبء العلاج على الأسر
دعا عبد القادر اعمارة، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى اعتماد النفقات الصحية التي تتحملها الأسر من جيوبها مؤشرا أساسيا لتقييم نجاح تعميم التغطية الصحية.
وحذر اعمارة من أن توسيع قاعدة المستفيدين لا يكفي إذا ظلت كلفة العلاج عائقا أمام الولوج الفعلي إلى الخدمات الصحية.
وأكد اعمارة، خلال ندوة دولية حول "السياسة الصحية في المغرب: المنافسة والتنظيم والحكامة في ظل التغطية الصحية الشاملة"، المنعقدة الأربعاء 14 أكتوبر 2026 بمراكش، أن نحو 88 في المائة من سكان المغرب، أي أكثر من 32 مليون شخص، كانوا يستفيدون من التغطية الصحية بنهاية 2025، مقابل 42 في المائة قبل إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
واعتبر أن هذا التحول يمثل محطة أساسية في ترسيخ الدولة الاجتماعية، غير أن التحدي الحالي يتمثل في الانتقال من مجرد توسيع التغطية إلى ضمان حماية صحية فعلية ومستدامة لكل مواطن.
ولفت اعمارة إلى حجم النفقات التي ما تزال تتحملها الأسر، موضحا أنها بلغت سنة 2024 نحو 34 في المائة من التكلفة الفعلية للعلاجات المفوترة، وفق معطيات المجلس الأعلى للحسابات.
وحذر من أن استمرار هذه المستويات من الإنفاق قد يدفع بعض المؤمن لهم إلى تأجيل علاجات ضرورية أو التخلي عنها، خاصة في ظل الفجوة القائمة بين الأسعار الفعلية للعلاجات والتعريفة الوطنية المرجعية المعتمدة في احتساب التعويضات.
وسجل اعمارة أن التعريفة الوطنية المرجعية لم تخضع لمراجعة شاملة منذ سنة 2006، باستثناء بعض التعديلات التي أدخلت عليها سنة 2008، داعيا إلى وضع آلية تضمن مراجعتها بشكل منتظم، إلى جانب تشديد مراقبة مدى احترامها.
وبقال اعمارة ينبغي أن يصبح خفض ما تؤديه الأسر مباشرة من تكاليف العلاج مقياسا مركزيا لمدى نجاح نظام التأمين الإجباري عن المرض، وليس الاكتفاء بعدد المسجلين أو المستفيدين.
وفي ملف الأدوية، دعا اعمارة إلى مواصلة تقنين الأسعار وتشجيع استعمال الأدوية الجنيسة والأدوية الحيوية المماثلة متى كانت متوفرة، مع تطوير آليات التقييم الطبي والاقتصادي، بما يحقق التوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين والتحكم في نفقات الصحة.
كما شدد على ضرورة ضمان التزود المنتظم بالأدوية والمنتجات الصحية الأساسية، وتقوية الإنتاج الوطني ودعم البحث والابتكار، معتبرا أن تحقيق السيادة الصحية يمر عبر تقليص التبعية للخارج وضمان توفر المنتجات الضرورية في مختلف الظروف.
ولفت رئيس المجلس إلى أن استفادة المواطنين من حقوقهم في التأمين الصحي لا تضمن وحدها الحماية الفعلية، مشددا على ضرورة جعل التسجيل في نظام التأمين الإجباري عن المرض إلزاميا للجميع، وإنهاء وضعية "الحقوق المغلقة" التي تحول دون الاستفادة المستمرة من الخدمات الصحية.
وكشف أن نحو 1.46 مليون شخص كانوا، إلى نهاية 2025، معنيين بإغلاق الحقوق ضمن نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالأجراء، مقابل 1.16 مليون شخص ضمن نظام العمال غير الأجراء، رغم تسجيل تحسن في هذا المجال.
وفي السياق نفسه، أكد اعمارة أن تعميم التغطية الصحية لا يمكن فصله عن تأهيل العرض العلاجي، لأن فتح الحق في التأمين يبقى محدود الأثر إذا لم يجد المواطن مهنيين صحيين وتجهيزات وخدمات متاحة في الوقت والمكان المناسبين.
ودعا إلى جعل تقوية القطاع الصحي العمومي أولوية، مع ضمان تطور منسق ومتكامل للقطاعين الخاص والتعاضدي والقطاع غير الربحي، مشيرا إلى اختلال في توزيع نفقات التأمين الإجباري عن المرض.
وأوضح أن الجزء الأكبر من هذه النفقات يتجه إلى القطاع الخاص، فيما تفوق الكلفة المتوسطة للتكفل بملف طبي واحد في هذا القطاع نظيرتها في القطاع العام بـ5.6 مرات، وفق معطيات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي.
وبخصوص الاستثمار والمنافسة، اعتبر اعمارة أن توسيع التغطية الصحية يرفع الطلب على العلاج ويفتح فرصا جديدة للاستثمار والابتكار، داعيا في المقابل إلى توجيه مزيد من التحفيز نحو المجالات الصحية ذات الأولوية، وتحسين مناخ الأعمال، مع التصدي للممارسات المضارباتية وتقوية قدرات الدولة في التنظيم والمراقبة.
كما شدد على أن إصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى حكامة تتلاءم مع حجم الإصلاحات المنتظرة، مذكرا بأن القانون الإطار رقم 06.22 وضع أسس هندسة مؤسساتية جديدة تشمل الهيئة العليا للصحة، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، إلى جانب المجموعات الصحية الترابية.
ويرى اعمارة أن نجاح هذه المؤسسات يجب أن يقاس بمدى انعكاس عملها على حياة المواطنين، خصوصا من خلال تقليص آجال الانتظار، وتسهيل الوصول إلى التخصصات الطبية، وتحسين جودة الخدمات، وخفض المبالغ التي يضطر المرضى إلى أدائها بعد التعويض.