إرث حكومة الأحرار يختبر وعود الأغلبية الجديدة في المائة يوم الأولى
تواجه الأغلبية الحكومية الجديدة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، جملة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تفرض عليها التحرك منذ الأيام الأولى لتولي مسؤولياتها، في ظل تصاعد المطالب بمعالجة الاختلالات التي ظلت مطروحة خلال الولاية الحكومية السابقة التي قادها حزب التجمع الوطني للأحرار.
وتجد الحكومة المرتقبة نفسها أمام أجندة مزدحمة تتصدرها حماية القدرة الشرائية، ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتوسيع التغطية الصحية، ومراجعة بعض القرارات المرتبطة بالتوظيف والتعليم، إلى جانب تدبير تداعيات الجفاف والاضطرابات التي قد تؤثر في تموين الأسواق وتكاليف الإنتاج.
وتتكون الأغلبية الحكومية الجديدة، وفق المعطيات الواردة في هذا السياق، من أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وهي مطالبة بتحويل مواقفها المعلنة خلال مرحلة المعارضة إلى إجراءات عملية تستجيب لانتظارات المواطنين، خصوصاً في الملفات التي ترتبط مباشرة بمستوى المعيشة وفرص الشغل والولوج إلى الخدمات الأساسية.
ويضع هذا التحول مكونات التحالف أمام اختبار سياسي يتمثل في مدى قدرتها على الانسجام حول الأولويات، وتحديد التدابير المستعجلة، وتقديم حصيلة ملموسة خلال المائة يوم الأولى من عمل الحكومة.
وتتصدر ملفات القدرة الشرائية والتغطية الصحية ومراجعة شروط اجتياز مباريات ولوج مهنة التعليم قائمة الأولويات التي يطالب نواب من مكونات الأغلبية الحكومية الجديدة بمعالجتها خلال المرحلة المقبلة، مؤكدين ضرورة الانتقال من مرحلة طرح المطالب إلى اتخاذ قرارات عملية تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.
وجاءت هذه المواقف في تصريحات صحفية أدلى بها عدد من النواب على هامش انتخابات هياكل مجلس النواب، برسم الولاية التشريعية الجديدة 2027-2031، حيث شددوا على أهمية استثمار بداية المرحلة السياسية الجديدة لإعادة ترتيب الأولويات وتسريع معالجة الملفات التي ظلت موضع نقاش خلال الولاية الحكومية السابقة.
وأكد متحدثون من داخل الأغلبية أن حماية القدرة الشرائية ينبغي أن تكون في مقدمة الإجراءات التي ستباشرها الحكومة الجديدة، من خلال تدابير واضحة وملموسة يشعر المواطنون بأثرها في حياتهم اليومية، بدل الاكتفاء بتقديم الوعود أو الإعلان عن توجهات عامة.
ويأتي هذا المطلب في سياق استمرار الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف عدد من المواد الأساسية والخدمات، وما يرافق ذلك من مطالب بتعزيز مراقبة الأسواق والتصدي للمضاربة والممارسات التي تساهم في رفع الأسعار.
وشددت التصريحات على أن معالجة الوضع الاجتماعي تتطلب الانتقال إلى إجراءات تنفيذية منذ الأيام الأولى من الولاية الحكومية، مع إعطاء الأولوية للقضايا التي تمس مباشرة ميزانيات الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
ويضع هذا التوجه الحكومة المقبلة أمام تحدي تحديد طبيعة التدابير التي يمكن اتخاذها على المدى القريب، وتقييم الوسائل المتاحة للحد من تأثير ارتفاع الأسعار، مع ضمان التنسيق بين القطاعات المعنية بالتموين والتجارة والنقل والطاقة.
وفي هذا السياق، برزت قضية غلاء المحروقات باعتبارها أحد الملفات التي تستدعي اهتماماً خاصاً، بالنظر إلى انعكاساتها على تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وما قد يترتب عنها من ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.
كما تتزايد المطالب بتشديد مراقبة الأسواق والتصدي للمضاربين، بما يضمن تعزيز شفافية المعاملات والحد من الاختلالات التي يمكن أن تؤثر في استقرار الأسعار، خصوصاً بالنسبة إلى المواد الأكثر استهلاكاً لدى الأسر.
وبموازاة ذلك، أعاد النواب إثارة ملف التغطية الصحية، مع التأكيد على ضرورة إيجاد حل لوضعية نحو 8 ملايين شخص، وفق الرقم الوارد في التصريحات، بما يتيح ضمان استفادتهم من حماية صحية فعلية وشاملة.
ويعكس هذا المطلب استمرار التحديات المرتبطة بتوسيع نطاق الاستفادة من الخدمات الصحية، وضمان انتقال الإصلاحات من توسيع قاعدة المستفيدين إلى تحسين شروط الولوج إلى العلاج وجودة الخدمات المقدمة.
غير أن ملف تسقيف سن اجتياز مباريات ولوج مهنة التعليم برز ضمن القضايا التي دعا متحدثون من الأغلبية إلى معالجتها بشكل مستعجل، مطالبين بالتراجع عن القرار الذي يحدد السن الأقصى للترشح لهذه المباريات.
وفي هذا الإطار، تبرز المائة يوم الأولى من عمل الحكومة باعتبارها محطة أولى لاختبار قدرتها على ترتيب الأولويات والتفاعل مع الملفات المستعجلة.
وتتمثل أهمية هذه الفترة، حسب نواب الأغلبية الجدد، في إمكانية الإعلان عن تدابير واضحة بشأن القدرة الشرائية والتغطية الصحية وشروط اجتياز مباريات التعليم، مع تحديد الإجراءات التي يمكن تنفيذها بصورة عاجلة وتلك التي تستدعي إعداداً تنظيمياً أو تنسيقاً بين القطاعات الحكومية.
ولا تنفصل هذه الملفات عن التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي، خاصة في ظل آثار الجفاف واحتمال تأثر العرض بتقلبات الإنتاج والاضطرابات المرتبطة بالاستيراد.
فقد برزت الدعوة إلى اعتماد تدابير استباقية لمواجهة هذه التحديات، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على تكاليف الإنتاج واستقرار تموين الأسواق وأسعار المواد الأساسية، بما يجعل تدبير المخاطر المناخية والتجارية جزءاً من الجهود الرامية إلى حماية القدرة الشرائية.
ويبرز الدعم الفلاحي بدوره ضمن المحاور التي تستدعي إعادة تقييم الأولويات، من خلال توجيه المساعدات نحو تخفيض تكاليف الإنتاج وتحسين مردودية الاستثمارات وتعزيز قدرة الفلاحين على مواجهة آثار التقلبات المناخية. كما يتطلب هذا الورش الاهتمام بالموارد المائية ورفع كفاءة الإنتاج، بما يساهم في تقوية العرض المحلي والحد من الضغوط التي يمكن أن تنتقل إلى أسعار المنتجات الغذائية.
وتبقى الأولوية، وفق المواقف التي عبّر عنها النواب، مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من تحديد المطالب إلى اتخاذ قرارات واضحة بشأنها، خصوصاً القضايا التي يمكن معالجتها في آجال قصيرة.