روسيا‮ ‬و‬الصين والناتو‮: ‬امتدادات الحرب في‮ ‬شمال أفريقيا‮ - الجريدة 24

روسيا‮ ‬و‬الصين والناتو‮: ‬امتدادات الحرب في‮ ‬شمال أفريقيا‮

الكاتب : الجريدة24

05 يوليو 2022 - 11:30
الخط :

 عبد الحميد اجماهيري

وضع "المفهوم الاستراتيجي" الجديد لحلف شمال الأطلسي (الناتو) شمال أفريقيا في منطقة ذات "مصلحة استراتيجية، على جناحه الجنوبي".

وبذلك تكون الخريطة الجديدة لسياسة الحلف العسكرية قد حدّدت أول مرّة، وبصريح العبارة، خط المواجهة الذي انزاح جنوباً نحو القارّة السمراء، بالرغم من أنّ الجناح الشرقي لأوروبا والحلف، حيث الوجود الروسي في أوكرانيا هو الذي نال الأهمية الكبرى في بيانات الحلف ووثائقه ومخطّطاته، المتفرّعة عن قمته في مدريد، نهاية يونيو/ حزيران الذي ودعناه.

واعتبرت روسيا ذلك تحويل العالم إلى جبهةٍ مفتوحةٍ ضدها، وقد عبر نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشكو، عن ذلك بقوله: "اعتبار حلف شمال الأطلسي روسيا تهديداً مباشراً سعي خطير إلى المواجهة مع موسكو على جميع الجبهات" بل اعتبره تحوّلاً خطيراً.

بالنسبة لروسيا، التي اعتبرها "ناتو" في وثيقة 0102، شريكاً في الهندسة الأمنية للعالم الصاعد من الحرب الباردة، فهذا يعني إخراجها رسمياً من هذه الهندسة، كما أنّ "اعتبار وجود دولة كروسيا تهديداً للحلف هو تحوّل خطير جداً، إنّه سعي جاد إلى المواجهة معنا، ولاحتواء روسيا على جميع الجبهات، وباستخدام جميع الوسائل" كما عبر المسؤول الروسي السابق الذكر.

وفي خضم الجبهات التي أشارت إليها وثيقة الحلف، وتشكل جبهة للصراع مع روسيا، هناك جبهة الشمال الأفريقي الذي صار معنياً بالمفهوم الاستراتيجي الجديد الذي يحدّد سياسة الـ"ناتو" ودوله، عسكرياً وأمنياً واستراتيجياً،

وصار معنياً كذلك في نتائج التعاون مع الاتحاد الأوروبي للعقد المقبل، وصار معنياً عندما يعتبر "ناتو" أنّ روسيا تهديد مباشر، في وقت يوجد الروس في شمال أفريقيا بدرجات متفاوتة، اقتصادياً وعسكرياً وبشرياً، في كلّ من ليبيا والجزائر والمغرب،

وتتحدّد المواقف منها، بالتالي، من الـ"ناتو" نفسه بناء على الموقف من الهجوم الرسمي على أوكرانيا، والذي تراوح ما بين الامتناع عن التصويت (الجزائر) والتصويت ضد روسيا (موريتانيا) أو الغياب الكلي عن جلسة الأمم المتحدة الخاصة بالتصويت (المغرب).

ونجد أنّ المتحكّم في مواقف كلّ دولة مصلحتها الوطنية، لكنّ ذلك لن يمنع تطوّر الوضع أكثر، واصطفافاً أكثر وضوحاً في القادم من الحرب.

دخلت إسبانيا في مرحلة عمل استراتيجي جديدة مع المغرب وقد صارت بقوة القمّة التي احتضنتها ناطقة باسم حلف الناتو في القضايا ذات الصلة بالهجرة وبالإرهاب

ولعلّ من عناصر قراءة مستقبل الشمال الأفريقي، على ضوء المستجدّات الاستراتيجية، عنصر الدور الإسباني في هذا التوجّه الذي كان حاسماً، إذ يمكن القول إنّ إسبانيا نجحت في أن تجعل خريطة الطريق الجديدة لحلف الناتو، تتضمّنه بشكل قوي وواضح.

والحقيقة أنّ إسبانيا سعت، بجهد كثير، إلى احتضان القمّة وإنجاحها، لكي تعزّز فكرة أنّ ضفتها الجنوبية مهمة أيضاً لحلف الـ"ناتو" وهو ما عبّر عنه رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، بالقول: "ضمنَّا ألّا يكون الجناح الجنوبي (للناتو) منسياً".

وهذا الدور الإسباني مفتاحٌ أساسيٌّ في قراءة الوضع الحالي في شمال أفريقيا، وفي استشراف توقعات المستقبل،

فإسبانيا دخلت في مرحلة عمل استراتيجي جديدة مع المغرب  وقد صارت بقوة القمّة التي احتضنتها ناطقة باسم حلف الناتو في القضايا ذات الصلة بالهجرة وبالإرهاب، وميزة الوضع الحالي مع جارها الجنوبي بناء اتفاقيات تليق بالقرن الواحد والعشرين.

وفي الوقت نفسه، كانت موريتانيا قد جدّدت مصادقتها على اتفاقية التعاون وحسن الجوار والصداقة مع مدريد التي كانت قد وقعتها في العام 8002. ونفسها إسبانيا توجد على مسافة جفاء مع الجزائر، بسبب قضايا تتعلق بقضية الصحراء المغربية، والتي كانت مدريد قد اتخذت فيها قراراً تاريخياً لم ينل إعجاب الدولة الجزائرية.

وقد جعل توتّر الوضع بينهما الأمر يصل إلى استعمال سلاح الغاز والنفط، وهو ما يعتبره الـ"ناتو" سلاحاً استراتيجياً، لا يقبل أن يستعمل ضد أيٍّ من دوله.

في سجل الأزمات التي يكون مصدرها الجوار الأفريقي لحلف الناتو، يذكر أمينه العام، ينس ستولتنبرغ الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إضافة إلى التهديد باستعمال الغاز والنفط، وهي تلويحات تعني أنّ الجنوب مصدر للقلق، ولما يسمّيها "الحروب الهجينة" التي تكون أراضي شمال أفريقيا إما مصدّراً لها أو معبراً أو ساحة للصراع والتأثير من طرف قوى خارجية.

ولعلّ ذلك هو مضمر تصريحات الأمين العام للحلف، عندما صرّح أنّ "الدول الأعضاء تطرّقت خصوصاً إلى مسألة سعي روسيا والصين إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي وعسكري في جنوب أراضي دول الناتو".

وقد لوّح الحلف بعدم الاستقرار الذي قد يتسبّب به هذا النفوذ المتزايد، وهو ما ينبئ بنية الحلف في دفع شركائه في المنطقة إلى مواقف حدّية حاسمة: من معنا ومن ضدنا؟

دول المغرب الكبير جنوب المتوسط لها تماسّ كبير مع تضارب الاستراتيجيات الدولية، ولها قدرتها على التأثر والتأثير في المنطقة في هذا التوقيت بالذات

أصبحت الصين في خط المواجهة، ويكون الحلف الاستراتيجي قد قرّر اتهام الصين بفرض "تحدّيات منهجية" لأول مرّة.

وإذا كانت الكرة الأرضية، لا سيما مياه المحيط الهادئ وآسيا، قد صارت جبهة ضد الصين، فإنّ شمال أفريقيا معنيٌّ باعتبار الاستثمار الاستراتيجي للصين في حوض المتوسط وفي جنوب الصحراء وفي بلدان شمال أفريقيا. ودولة الزعيم ماو تسي تونغ تكتسب نفوذاً في المنطقة، خصوصاً في المجال الاقتصادي، والشراكات الاستراتيجية، وإن انعدم وجودها العسكري الرسمي  وغير الرسمي.

وتربطها علاقات قوية مع الحليف القوي للـ"ناتو" والاتحاد الأوروبي، المغرب، الذي نوّع شراكته بقرار سيادي أعلنه العاهل محمد السادس في 6102، كما أنّ موريتانيا لا ترفض أفقاً اقتصادياً مع بكين، وهو حال الجزائر نفسها. ونحن نقتصر على دول المغرب الكبير جنوب المتوسط، لما لها من تماسّ كبير مع تضارب الاستراتيجيات الدولية، ولقدرتها على التأثر والتأثير في المنطقة في هذا التوقيت بالذات.

لن يكون المستقبل القريب مبشّراً بالخير إلّا للدول التي استطاعت أن تبني لنفسها مركزاً في الحرب الثلاثية التي تشغل بال أوروبا وأخرى استراتيجية تشغل بال الحلفاء في حلف الناتو

مركزاً يكشف القدرة على تملك عقيدة أمنية سليمة ومقنعة في محاربة الإرهاب، وعقيدة استراتيجية بالمساهمة في إيجاد شروط الاستقرار والتنمية وعقيدة سياسية للدفاع عن السيادة في بناء الشراكات الدولية على قاعدة المصلحة الوطنية،

ولعلّ النقطة الكبرى في ضعف الجنوب في ميزان الشمال هو التفكّك والنظرة الضيقة والسلوك الفردي في تدبير المنطقة ومصالحها، عبر رفض أي تعاون أو يد ممدودة لبناء تكتل شمال أفريقي قادر على أن يفرض نفسه في معادلات الميزان الاستراتيجي الدولي... وتلك قصّة أخرى!

آخر الأخبار