واحة تيوت...منتجع السعديين وملاذهم في الشدائد - الجريدة 24

واحة تيوت...منتجع السعديين وملاذهم في الشدائد

الكاتب : الجريدة24

04 أكتوبر 2022 - 03:00
الخط :

واحة تيوت...منتجع السعديين وملاذهم في الشدائد

أمينة المستاري

لم تكن الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الزوال، حين تحولت السيارة عن الطريق الرابط بين تارودانت وطاطا، لتسلك مسلكا لكيلومترات، يقودك إلى "تيوت" القرية الصغيرة القابعة عند سفح جبال الأطلس الصغير، البعيدة عن تارودانت بـ 30 كيلومترا.

وللوصول إلى الواحة وقصبة السعديين، يقودك زقاق طويل يمر وسط المنازل الصغيرة البسيطة، في اتجاه الواحة حيث الماء والخضرة. فـتيوت تعني "منبع الماء"، أو "حدبة الجمل" بالأمازيغية، وتحتضن واحة كبيرة جمعت كل شروط الفضاءات البيولوجية السياحية وأيضا الآثار التاريخية التي تؤرخ لحقبة مهمة من حكم السعديين.

تصادفك من حين لآخر مجموعات سياحية لأجانب، بعضهم مشاة والبعض الآخر يمتطي الدواب، وجهتهم الواحة وقصبتها التاريخية، همهم الاستمتاع بجمال الطبيعة داخل خيام تم تأثيثها بأفرشة تقليدية مغربية وتحف بسيطة وديكورات قديمة تدل على التراث المغربي...

وتعتبر تيوت بوابة من أبواب الصحراء، لعبت في فترة دورا سياسيا وتجاريا وعلميا، فمنها انطلقت الجيوش نحو أكادير لتحريرها من المد البرتغالي، ومنها كانت القوافل التجارية تعبر نحو دول الجنوب، كما أن أول اتفاقية لمبايعة محمد بن عبد الرحمان القائم بأمر الله كانت بتيوت.

وتعرف واحة تيوت بقصبتها التاريخية، المنتصبة فوق ربوة بناها السعديون في القرن 16، رغم أن المختار السوسي ذكر في مؤلفه المعسول أنه تم العثور تحت أحد أساسات القصبة على قطعة نقدية من عده الموحدين، لكن يغلب القول أن السعديين شيدو القصبة واختاروها منتجعا لهم، فقد جذبت أحمد المنصور الذهبي، الذي كان يلجأ إليها للاستراحة والاستجمام، وبها درس الأمراء على رأسهم محمد الشيخ السعدي، بعد أن أنيطت المهمة لسيدي لحسن بن عثمان التيملي لتدريس الأمراء.

ويؤكد بعض أبناء المنطقة أن المنطقة تحتفظ بآثار أقدم مدرسة علمية "الجشتيمية" ، والتي كان لها دور في تكوين مجموعة من علماء الدين، ويعد سيدي الحاج أحمد الجشتيمي أحد علمائها المعروفين.

وقد بلغ عشق محمد الشيخ السعدي للواحة حد قيامه ببناء سورا للقصبة ويحصنه من الغزاة، كما قام باستنباط المياه بها وحفر الآبار والسواقي والصهاريج وبناء الزوايا.

ويطلق على القصبة اسم "أكاديرابلان"، وكانت تضم كل المرافق الضرورية من مخازن، قاعة للحكم، غرف سكنية لاستقبال الضيوف ومطفيات وسجن ...فالسعديين جعلوها ملاذا لهم كلما اشتدت الشدائد، خاصة وهي القريبة من عاصمتهم تارودانت "المحمدية"، كما كانت قطبا للتنمية في عهد السعديين، حيث كانت تسير معامل قصب السكر، عماد اقتصاد السعديين، فكانت نقطة مرور القوافل التجارية القادمة من فاس ومراكش في اتجاه الجنوب والسينغال...

إلا أن النسيان والتهميش إضافة إلى العوامل الطبيعية تسببت في تهدم جوانب من القصبة، وتم ترميمها وتحويلها إلى مقهى ومطعم .

ويتواجد بتيوت مسجد يشبه في هندسته المسجد الأعظم بتارودانت، وكانت تنتشر بها قصور ورياضات، وأضرحة و6 زوايا منها فرع الزاوية التيجانية...حيث لا يخلو الآن دوار من الدواوير العشرة المكونة لجماعة تيوت من ضريح وصالح.

ولم يكن المسلمون يعيشون بالمنطقة بمفردهم، بل استقر اليهود بأسفل القصبة "دوؤداين" وبدوار أنامر، فأقاموا تجمعات سكنية يهودية وتعايشوا مع المسلمين، وكانوا يتقنون الحرف من صناعة الأواني الخشبية والفخارية والحدادة، الخرازة والفضة والحلي التي برعوا في صناعتها، كما كانوا يمارسون "تجارة القرب" يتنقلون بين الأحياء والدواوير لبيع سلعهم "شواري العطار"، ويؤكد أحد أبناء المنطقة أن ضريح "بيشالوم بنزاكون" يتواجد أسفل القصبة، إضافة إلى قبور أخرى لليهود.

وتعتبر تيوت فضاء إيكولوجيا ومتحفا " للتراث المائي"، حيث يجد السائح أثناء تجوله سلسلة متكاملة  من خطارات، سواقي، صهاريج.. فهي غنية بالثروات المائية الجوفية، التي حولت الواحة إلى جنة خضراء تؤثثها أشجار النخيل والزيتون والأركان والرمان...وتجعلها قبلة لكل عاشق للطبيعة.

آخر الأخبار