حينما نسيت "Le Monde" ماضيها وبشاعة "وجهها الخفي"
قبل عشرون سنة، أخرج الكاتبان الفرنسيان "Pierre Péan" و"Philippe Cohen" إلى العالم كتاب زلزل المشهد الإعلامي الفرنسي، وتداعت له أركان صحيفة حادت عن مسارها، لتغدو بين عشية وضحاها أداة نفوذ تجري وراء نسج تحالفات غامضة وتتغيا تصفية حسابات سياسوية ضيقة.
الكتاب جاء في ما يزيد عن 600 صفحة تحت عنوان "الوجه الخفي لصحيفة Le Monde"، وعلى امتداد صفحات الكتاب/ التحقيق انكشف انحرافها الجلي عن كونها سلطة صحفية رقابية إلى أداة مملوكة في يد الدولة العميقة في فرنسا وطوع بنان السلطة التي تعتنق فكرا إمبرياليا بائدا.
لذلك، ومع ما تفرده "Le Monde" من مقالات تسعى من خلالها إلى النيل من المملكة المغربية، فلا عجب أن تكرر الصحيفة نفس الانحرافات التي كشفه عنها الكتاب قبل عقدين، وهي لا تزال دائنة لنفس المذهب ومعتنقة لنفس الإيديولوجية التي أكل الدهر عليها وشرب.
وبدلا من تسمية الأشياء بمسمياتها، وتناول الاصلاحات الاجتماعية غير المسبوقة في المغرب والدور الريادي الذي أصبح يلعبه في الرقعة الدولية، فضّلت "Le Monde" إعمال ما يتقنه كتبتها وهو ترويج الإشاعات ونسج سيناريوهات من محض الخيال، في تحر منها للظلام الدامس بعيدا عن شمس الحقيقة التي يتبدد تحت ضوئها ما يتوهمه القائمون عليها.
وفي تحيز منهجي، ما زالت "Le Monde"، التي جرى تقريعها قبل عشرين سنة بكتاب "الوجه الخفي.."، تستعين بنفس الوصفة حين يتعلق الأمر بالمغرب، فتعمد إلى تصويره كبلد على حافة الانهيار، وذلك ضدا على كل ما تحبل به تقارير المؤسسات الدولية الشاهدة على تقدمه في مؤشرات التنمية، واستقراره السياسي، ومكانته الإقليمية الدولية التي لا يمارس فيها غير الخصوم.
وحين تختزل "Le Monde"، كل هذا الزخم في مقال بئيس ومبتذل تحت عنوان "أجواء نهاية حكم"، فإنها لا تمارس الصحافة بقدر ما تعيد إنتاج نفس الانحرافات التي كشفها كتاب "الوجه الخفي.."، وقد عنت إلى عقول المشرفين عليها أن المغرب لقمة سائغة لتسويق قصص الإثارة، وقد غاب عن هذه العقول القاصرة أن القاريء لم يعد يرتهن لأقلام دعاة الاستعمار، ويستطيع التمييز بين التحليل الرصين والدعاية المغرضة.
إن الأمر لا يتعلق هنا بما يشجر بين المغرب و"Le Monde"، ولو أن الزج بهما معا مجحف لبلد ذو تاريخ تليد، ولكن يتعلق كذلك بسمعة الصحافة الفرنسية أمام قرائها الأوروبيين والدوليين، فحين يفضل القائمون عليها اجترار سيناريوهات متجاوزة، فإن في ذلك نسخ حقيقي وترجمة لما فضحه كتاب "الوجه الخفي.." عن صحيفة تلهث وراء صناعة الإثارة أكثر من البحث عن الحقيقة.