هل يقف قطاع السيارات الإسباني على أعتاب أزمة بسبب التوسع الصناعي المغربي؟
تشهد صناعة السيارات في المغرب نمواً متسارعاً جعلها تتحول إلى محور اقتصادي استراتيجي يثير القلق في أوساط عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها إسبانيا، التي اعتادت احتلال موقع متميز في هذا القطاع داخل القارة.
فمع التوسع الكبير في الاستثمارات الدولية والبنية التحتية المتطورة، بات المغرب يرسخ مكانته كأحد أبرز مراكز إنتاج السيارات في المنطقة، وهو ما يضع الصناعة الإسبانية أمام تحديات غير مسبوقة.
خلال العقد الأخير، تحولت مدن مغربية مثل طنجة والقنيطرة والدار البيضاء إلى أقطاب صناعية كبرى تستقطب علامات عالمية في مجال السيارات وقطع الغيار. ويعود هذا التوسع إلى سياسات حكومية شجعت على الاستثمار الأجنبي المباشر، وسهلت اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
هذا الواقع الجديد لم يمر دون أن يثير قلق المراقبين الإسبان الذين يرون أن المملكة باتت تزاحم مدريد على موقعها كأحد أهم المنتجين والمصدرين داخل السوق الأوروبية.
ونشرت صحيفة "لاراثون" الإسبانية تقريراً مفصلاً رصدت فيه هذا التحول، مؤكدة أن المغرب أصبح مركزاً صناعياً بارزاً بفضل منشآته الكبرى. ويتصدر المشهد مصنع "سوماكا" التاريخي بالدار البيضاء، ومصنع طنجة الذي تديره شركة "رونو"، إضافة إلى مجمع "ستيلانتيس" في القنيطرة.
هذه المنشآت مجتمعة، حسب التقرير تنتج ما يقارب المليون سيارة سنوياً، وهو رقم مرشح للارتفاع بشكل لافت مع الخطط التوسعية التي أعلن عنها المغرب.
ويعزز الموقع التنافسي للمغرب ما يتوفر عليه من بنية لوجستية قوية، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى محور استراتيجي في حركة الشحن العالمية، منافساً موانئ أوروبية كبرى مثل الجزيرة الخضراء في جنوب إسبانيا، وفقا للاراثون.
وقد مكّن ذلك شركات كبرى مثل "ميرسك" من اعتماد المغرب نقطة محورية في سلاسل الإمداد، حسب مضمون التقرير.
ويحدد التقرير ثلاثة عناصر رئيسية تمنح المغرب أفضلية في المنافسة: تكلفة الطاقة، وتكلفة النقل، وتكلفة العمالة. ففي مجال الطاقة، يستفيد المغرب من أسعار كهرباء أقل من إسبانيا، إضافة إلى استثماراته الضخمة في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة.
ووفقا للتقرير ذاته فإن تكاليف الشحن البحري متقاربة مع الموانئ الإسبانية، في حين يشكل عبور مضيق جبل طارق تكلفة إضافية محدودة لا تتجاوز 100 يورو لكل سيارة.
غير أن الفارق الأبرز، حسب لاراثون، يبقى في كلفة اليد العاملة، إذ تبلغ 106 دولارات لكل سيارة في المغرب، مقابل 955 دولاراً في إسبانيا، أي ما يقارب تسعة أضعاف.
هذه الأرقام تعكس فجوة كبيرة في التكاليف الإنتاجية، وهو ما يمنح المغرب قدرة تنافسية قوية، في وقت تعتمد فيه إسبانيا بشكل كبير على صادرات السيارات، حيث يشكل القطاع نحو 10% من الناتج الداخلي الخام، ويؤمن ما يزيد عن 9% من فرص العمل، مع توجه 88% من الإنتاج نحو الخارج.
وتشير معطيات الصناعة إلى أن المغرب لا يكتفي بالحفاظ على موقعه الحالي، بل يخطط لمضاعفة إنتاجه إلى مليوني وحدة سنوياً بحلول 2030.
هذا الطموح، حسب التقارير الاعلامية الاسبانية، يعزز المخاوف في مدريد من انتقال خطوط إنتاج جديدة إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، خاصة مع الحديث عن احتمال نقل تصنيع الجيل الجديد من "سيتروين C4" من مصنع مدريد إلى المغرب بحلول 2027.