"المعروف".. نفس الجماعة وروح "النية الزوينة"

الكاتب : الجريدة24

03 سبتمبر 2025 - 12:00
الخط :

أمينة المستاري

في دروب المدن العتيقة، بين جدران الطين وأزقة الحجر، حيث تختلط رائحة الخبز البلدي بنداء المؤذن، وعبق النعناع بضحكة الجيران، هناك عادة مغربية عريقة تعرف باسم "المعروف".

هي ليست فقط طقسا اجتماعيا، بل ثقافة حية تنسجها الحياة اليومية بخيوط من التضامن، والتكافل، و"النية الزوينة"، فهو أكثر من صدقة.

ففي الثقافة المغربية، المعروف ليس مجرد عمل خيري يؤدى في الخفاء، بل هو أسلوب حياة...إنه الكسكس الذي يرسل إلى الجار كل يوم جمعة، والمساعدة التي تقدم لمحتاج دون سؤال، والتبرع الجماعي لعلاج مريض، أو سداد دين غارم، أو كفالة يتيم.

المرأة ... سيدة المعروف الصامت

في الزوايا الدافئة من البيوت، تقف المرأة صانعة المعروف، ومحركه الخفي، فهي من تحضر "قفة رمضان"، وتبعث الكسكس في المناسبات، وتبادر دون أن يطلب منها، وتربي أبناءها على أن الخير يفعل لوجه الله.

في الأعراس، والمآتم، والمناسبات الموسمية، كانت ولا تزال النساء يجتمعن في "التويزة" لتحضير الطعام، وتوزيعه على الجيران والمعارف، في مشهد يعكس قوة النساء في الحفاظ على لحمة المجتمع.

لا يكاد يختلف المعروف من منطقة لأخرى، ففي مناطق سوس العريقة، فقد اعتبر من أعرق العادات الاجتماعية في المغرب، وقد احتفظت مناطق سوس بخصوصيتها في إحيائه، حيث يرتبط هذه العادة بشكل وثيق بـ"طبخ الكسكس" الجماعي يوم الجمعة.

ويتجند السكان لإعداد كسكس كبير بعد صلاة الجمعة، بمشاركة أهل الحي رجالا ونساء، حيث يحضر من القمح البلدي، والخضر الموسمية، وأحيانا اللحم، ثم يوزع على الجميع دون استثناء، سواء كانوا من أهل المكان أو ضيوفا أو حتى عابري سبيل.

هذا الطقس الاجتماعي يعكس قيم التآزر والتضامن التي تميز المجتمع السوسي، إذ يشارك كل فرد بما يستطيع: فمَن لا يملك مالاً يساهم بالخضر أو الحبوب، ومن لا يملك شيئاً يساعد بجهده ووقته.

ولا يعد الكسكس في هذا السياق مجرد وجبة، بل رمزا للوحدة والتكافل، حيث يجتمع الناس حول مائدة واحدة، يتقاسمون الطعام والبركة، في تجسيد عملي للمثل الشعبي:"اليوم عليك وغدا علي".

وبذلك، يبقى المعروف في سوس ليس فقط عادة غذائية، بل إرثاً ثقافياً واجتماعياً متوارثاً، يعكس عمق الروابط الإنسانية وروح الجماعة.

أما في بعض قرى ضواحي مراكش، يقام المعروف قرب الأضرحة، عبر ذبح كبش أو دجاج، ثم يطهى الطعام ويوزع على الحاضرين، في جو يغلب عليه البعد الروحاني.

في بعض القرى، يُقام المعروف في شكل ذبح كبش قرب أحد الأولياء أو الأضرحة، وبعد النحر، يجتمع أهل المنطقة لإعداد الكسكس بكميات كبيرة.

هناك، يقيم الناس هذه المناسبة شكرا لله على شفاء، أو نجاح، أو تجاوز محنة، وأحيانا تضرعا لطلب البركة وحفظ الأهل، فهو يقام بجوار الأولياء طلباً للخير والبركة، ويتم خلاله توزيع الطعام على كل من يحضر إلى عين المكان، سواء من سكان المنطقة أو الزوار، في جو من البركة والتقاسم. في الوقت نفسه، يُعزّز قيم التضامن والتكافل، لأن الطعام يُقدَّم للجميع بلا مقابل.

ويشكل "المعروف" فرصة لـ "اللقاء الاجتماعي"، حيث يجتمع الناس من مختلف الدواوير للتعارف والتآزر.

البُعد الروحي والاجتماعي للمعروف

لا يقتصر المعروف على إطعام الناس فقط، بل يحمل في طياته بعدا روحانيا عميقا. فهو يقام أيضا نذرا لدرء مكروه، أو لتحقيق مراد، وتكون النية فيه أصدق من الكلمات...حيث يؤمن الكثيرون بأن: "المعروف نية، والنية زوينة تجيب الخير"، فيتم ذبح الدواب، إعداد الطعام، ودعوة الجيران والفقراء، ليس من باب المباهاة، بل شكرا لله، وللتعبير عن الرضى والخشوع.

ويرتبط مثل "جْداك فالمعروف" في أصله بعادة المعروف في المغرب، حيث كان الذي له قريب أو "جدّ" في مناسبة "المعروف" يحظى بالأكل، خصوصاً الكسكس الذي يوزع على الناس، أي أن نصيبه مضمون بفضل صلته الأسرية أو الاجتماعية.

لكن المعنى تحول مع مرور الوقت إلى معنى وتفسير "مجازي" يعبر عن الزبونية والمحسوبية، أي أن من له قريب أو معرفة في إدارة أو مصلحة معينة يستفيد بسهولة، حتى لو لم يكن مستحقات.

وهذا التحول يعكس كيف تحولت بعض مظاهر التكافل التقليدي إلى انتقادات لواقع اجتماعي تغيرت فيه القيم.

المعروف.. عادة لا تموت

رغم التحولات، والتغيرات المجتمعية، والمدنية، لا يزال المعروف حاضرا في كل بيت، وكل حي، وكل مناسبة في مجموعة من المدن والقرى المغربية... من "قفة رمضان" إلى جمعيات الأحياء، ومن مبادرات الشباب إلى نساء الأحياء الشعبية، يبقى المعروف عنوانا للخير، ولثقافة مجتمعية ضاربة في الجذور.

ففاعل "المعروف" لا ينتظر منه التفاخر، بل يرجى منه الأثر الطيب، والدعاء في السر، و"النية الزوينة" التي تفتح أبواب السماء، هو مرآة لروح ولأخلاق أهل المنطقة.

آخر الأخبار