المغرب ورهان الحافلات العصرية لتأمين تنقل سلس خلال الكان
يشهد المغرب هذه الأيام دينامية غير مسبوقة على مستوى تأهيل بنياته التحتية، استعداداً لاحتضان تظاهرتين رياضيتين من العيار الثقيل: كأس أمم إفريقيا 2025، ثم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وفي قلب هذه الاستعدادات، يبرز ورش تطوير النقل الحضري بالحافلات باعتباره رهاناً استراتيجياً لا يقتصر على خدمة المناسبات الكبرى، بل يتوخى أيضاً معالجة إشكالات يومية ظلت تؤرق المواطنين لعقود.
وقد وضعت وزارة الداخلية برنامجاً وطنياً طموحاً للفترة الممتدة ما بين 2025 و2029، خصص له غلاف مالي يصل إلى 11 مليار درهم. ويهدف هذا المشروع إلى تغطية 84 مدينة وتكتل عمراني، عبر اقتناء ما يقارب 3746 حافلة عصرية مجهزة بأنظمة حديثة للتذاكر والمراقبة والإعلام، إلى جانب بناء مستودعات ومراكز صيانة ومحطات انتظار مطابقة للمعايير الدولية.
خطوة من شأنها أن تنقل النقل الحضري بالمغرب إلى مستوى جديد يليق بصورة بلد يتهيأ للظهور أمام أنظار العالم.
وفي سياق هذه الجهود، برزت شركة "يوتونغ" الصينية كأحد أبرز الشركاء الدوليين في هذا الورش. فقد أعلنت الشركة عن تخصيص أسطول يضم 723 حافلة جديدة لفائدة المغرب، حيث جرى أول أمس الجمعة، تنظيم حفل رسمي بمصنعها في مقاطعة هينان لتسليم الدفعة الأولى، بحضور وفود مغربية ومسؤولي الشركة.
وقد أكد ممثلو "يوتونغ" خلال المناسبة أن هذه الشراكة لا تقتصر على تصنيع الحافلات، بل تعكس جسراً للتعاون الثقافي والاقتصادي بين البلدين، كما تعهدوا بتأمين خدمات نقل متكاملة ودعم تشغيلي موثوق خلال فترة تنظيم كأس أمم إفريقيا.
الحكومة المغربية، من جهتها، تسابق الزمن لتعزيز أسطول النقل قبل انطلاق البطولة القارية، إذ يُرتقب أن يتراوح عدد الحافلات الجديدة التي ستدخل الخدمة ما بين 1750 و1900 وحدة، بكلفة تناهز مليوني درهم للحافلة الواحدة.
وهو استثمار يعكس حجم الرهان الموضوع على النقل الحضري لتأمين تنقل الوفود الرياضية والجماهير والزوار، فضلاً عن دعم الحركة السياحية والاقتصادية المرتبطة بالحدث.
غير أن هذا المشروع لا ينحصر في البعد الرياضي أو السياحي، بل يعكس أيضاً إرادة واضحة لتقليص الفوارق المجالية داخل المدن المغربية.
فالنقل الحضري لطالما شكّل أحد أبرز أوجه التفاوت الاجتماعي، حيث عانت مناطق عديدة، خاصة في الأطراف، من ضعف الخدمات وغياب العدالة في التوزيع.
ومن شأن إدماج الحافلات الجديدة وفق رؤية متوازنة أن يسهم في إعادة الاعتبار لمراكز حضرية مهمشة، ويعزز ثقة المواطنين في المرفق العمومي.
ورغم الطموح الكبير الذي يحمله هذا الورش، فإن تحديات التنفيذ تظل قائمة، أبرزها احترام الآجال المحددة وضمان الجودة في توريد الحافلات والمعدات، إضافة إلى ضرورة اعتماد أعلى معايير الشفافية والمراقبة في تدبير الصفقات العمومية.
فنجاح المشروع رهين بمدى القدرة على تجاوز هذه التحديات وتحويل الاستثمار الضخم إلى خدمة ملموسة تعكس تطلعات المواطنين وتستجيب لانتظارات الشركاء الدوليين.
وبينما يقترب العد العكسي لانطلاق كأس أمم إفريقيا، يبدو أن المغرب يراهن على جعل قطاع النقل الحضري عنواناً لمرحلة جديدة، تواكب التحولات التنموية الكبرى وتكرّس صورة بلد منفتح وقادر على استقبال العالم.