مونديال 2030 يسرع وتيرة الهدم بالبيضاء.. والوكالة الحضرية تواجه انتقادات المتضررين
تسابق جماعة الدار البيضاء، برئاسة العمدة نبيلة الرميلي، الزمن من أجل طي ملف السكن الآيل للسقوط الذي ما زال يرخي بظلاله على آلاف الأسر في قلب العاصمة الاقتصادية.
وتدرك عمدة الدار البيضاء أن هذه المعضلة لم تعد شأناً اجتماعياً داخلياً فقط، بل تحولت إلى رهان استراتيجي يرتبط بصورة المدينة في أفق استعداد المملكة لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، حيث ستلعب الدار البيضاء دوراً محورياً في احتضان المباريات والفعاليات الموازية لهذا الحدث الكروي العالمي.
خلال الدورة الأخيرة لمجلس الجماعة، صوّت 91 عضواً بأغلبية ساحقة على اتفاقية شراكة مع صندوق الإيداع والتدبير لإعادة إطلاق مشروع "المحج الملكي"، الذي ظل معلقاً لعقود رغم مكانته المحورية في المخطط العمراني للمدينة.
وتنص الاتفاقية على تفويت أصول عقارية هامة لفائدة الجماعة، مع تكليف شركة "الدار البيضاء للإسكان والتجهيز" بمهام التنفيذ، بما يشمل إعادة إيواء الأسر المتضررة وتعويضها، وتنفيذ عمليات الهدم المقررة، فضلاً عن تشييد حديقة حضرية كبرى تعتبر متنفساً جديداً للسكان.
وشددت العمدة نبيلة الرميلي، في مداخلتها، على أن المشروع يشكل لحظة فارقة في مسار العاصمة الاقتصادية، مؤكدة أنه سيمكن من إعادة الاعتبار للمدينة القديمة وتحويل الدار البيضاء إلى فضاء حضري يضاهي كبريات المدن العالمية.
كما أبرزت مؤخرا أن المشروع يندرج في سياق رؤية شمولية تضع البعد الاجتماعي في صلب عمليات إعادة الهيكلة، من خلال ضمان سكن لائق للأسر المتضررة وإطلاق مشاريع تنموية متوازنة في الأحياء الشعبية.
غير أن هذه الأجواء الإيجابية على مستوى مجلس الجماعة تزامنت مع انعقاد الجمع العام الثاني عشر لتنسيقية ضحايا قرارات الهدم الكلي بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء، حيث عبّر المتضررون عن رفضهم القاطع لما اعتبروه "مقاربة أحادية" ترتكز على الهدم دون مراعاة لحقوق الساكنة.
وأكد يونس ريتب، منسق التنسيقية، خلال أشغال الندوة أن عدداً من المنازل المدرجة ضمن لائحة البنايات المهددة بالسقوط لا تزال في حالة جيدة تقنياً، ويقطنها أصحابها بشكل طبيعي، داعياً إلى اعتماد خبرات محايدة لتحديد المباني المهددة فعلاً بالانهيار، بدل إصدار قرارات بالجملة قد تؤدي إلى تشريد مئات الأسر.
وركزت كلمات المتضررين خلال الجمع العام على أن قضيتهم ليست مجالاً للمزايدات السياسية، بل ملفاً اجتماعياً وإنسانياً بالدرجة الأولى، يرتبط بحقهم في السكن الكريم والاستقرار.
وشددت التنسيقية على أن السكان متمسكون بحقهم في العيش بكرامة داخل أحياء تاريخية تحمل رمزية حضارية وثقافية للدار البيضاء، مؤكدة أن المدينة القديمة ليست مجرد بنايات متداعية، بل فضاء يحتضن حياة آلاف الأسر ويختزن جزءاً من الذاكرة الجماعية.
وأوضحت أن أي قرار غير مدروس قد يفضي إلى تهجير قسري وضياع هوية معمارية تمتد جذورها لقرون.
من جهة أخرى، عبّر عدد من المتضررين عن استيائهم من غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة أن الوكالة الحضرية للدار البيضاء، بخلاف باقي الوكالات على الصعيد الوطني، تظل تابعة لوزارة الداخلية بدل وزارة الإسكان، وهو ما يخلق ضبابية في الاختصاصات ويؤثر على وضوح الرؤية.
وطالبت التنسيقية بإعادة الملف إلى إطاره الطبيعي داخل وزارة الإسكان، باعتبارها الجهة المخولة قانوناً للإشراف على تأهيل البنايات الآيلة للسقوط.
وبينما تؤكد الأغلبية المسيرة لمجلس الجماعة أن مشروع "المحج الملكي" يمثل مدخلاً لمعالجة شاملة للملف، ترى المعارضة أن نجاح أي ورش ضخم لا يقاس فقط بضخامته الاستثمارية أو بجاذبيته العمرانية، بل بقدرته على ضمان العدالة المجالية وصيانة حقوق الفئات الهشة.
وفي هذا الصدد، دعا فريق العدالة والتنمية المصطف في المعارضة داخل المجلس، مؤخرا إلى تقديم توضيحات دقيقة حول الكلفة المالية وآليات إعادة الإسكان والتعويض، محذراً من خطر تعميق الفوارق بين الأحياء إذا لم تُراعَ مقاربة اجتماعية متوازنة.
وبين الخطاب الرسمي الذي يراهن على تسريع المشاريع الحضرية استعداداً لكأس العالم، وصوت المتضررين الذين يتمسكون بخيار إعادة التأهيل بدل الهدم، يظل التحدي الأكبر هو إيجاد صيغة عملية توازن بين الرهانات الدولية والالتزامات الاجتماعية.