"جيل Z".. لا تنساقوا وراء المهيجين ومن يأكلون الثوم بأفواه الغير

الكاتب : الجريدة24

29 September 2025 - 11:00
الخط :

هشام رماح

في خضم تحركات "جيل Z"، ونزولهم إلى شوارع مدن المملكة، وما انبرى إليه صحفيون من إذكاء له واغتنام معيب منهم لفرصة تكدير علاقات أبنائنا مع السلطات الأمنية، يتبدى أن هذا الجيل يستحق أكثر من "سخافة" تلهث وراء استعماله كوقود في معارك شخصية كانت مؤجلة، ولتصبح "الصحافة" ها هنا إلى أداة تصعيد تضاعف من التوتر وتغذي خطاب الكراهية، وليست سلطة رابعة ولا هي مرآة للمجتمع.

لكن كيف إن اختار نشاز الصحافة أن يتنازل عن أبسط قواعد المهنة المتمثلة في الحياد والمصداقية، بحثا عن مكان لهم في خواطر جيل من الصعب دغدغة مشاعره، واللعب على عقله رغم ما قد يبدو للأصوات التي ترى في تحرك "جيل Z"، من طاقة فتحتها لهم الظروف لتصفية حساباتهم الضيقة مع السلطات الأمنية، في انزلاق منهم عن أدبيات مهنة تعنى بنقل الخبر دون الخوض فيه بما قد يفضي لما لا تحمد عقباه.

وبدلا من نقل الأحداث والوقائع كما هي، بميزان الخبر وعين التحقق، انخرط البعض من هؤلاء في النفخ في النار وصوغ خطاب تهييجي تحريضي، سلطوا من خلاله الضوء على عناصر الأمن، بما يصور أي تدخل أمني وكأنه "قمع دموي"، متناسين أن تنظيم الحشود وتفريق التجمهر غير المرخص ممارسة قانونية ومعمول بها، من السلطات الأمنية، في أعتى الديمقراطيات الغربية.

فهل سلطات فرنسا أو إسبانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية كانت لتسمح بمسيرات عشوائية تقطع الطرق وتشل المرافق الحيوية؟ مثلما حدث حين إصرار بعض المحسوبين على "جيل Z " (احتلال) المدار الحضري للدار البيضاء الذي يعد عصب العاصمة الاقتصادية، الأكيد أن حتى سلطات هذه الدول في مثل هكذا حالات لا تتردد في استعمال القوة متى تعلق الأمر بالنظام العام.

ومما لا شك فيه أن حرية التعبير حق لا مراء فيه، لكنها أيضا لا تعني قلب الحقائق ولا شيطنة المؤسسات الأمنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأرواح والممتلكات، وهي ممتلكات المغاربة جميعا لو يعلمون، وإذا كان من حق الصحفي أن ينتقد تحت سقف المهنية، فمن واجبه أيضا أن يلتزم بالمعايير المهنية، وألا يجعل من قلمه منصة للتحريض أو منصة لتسويق رواية أحادية.

غير أنه من المؤسف أن بعض "الصحفيين" ممن ابتلينا بهم من أبطال الـ"ديجتال" وظواهر النت، لم يترددوا في محاولة الركوب على غضب جيل جديد من الشباب ليصفوا حساباتهم الإيديولوجية مع الدولة، فيخلطون بين واجب التغطية المهنية ولذة المعارضة الشخصية.

ثم لنرجع صوت العقل، الذي يصرخ بأن الطبيعة لا تحب الفراغ، وكذلك لا تحب التخلي عن الأدوار المنوطة بالصحفيين المهنيين مثل نقل الخبر بموضوعية وتحليل المستجدات بعمق يساعد على الفهم، فإنهم يتركون مساحة خالية تُستغل سريعًا من قبل من يتربص بهكذا فراغ يجعلهم يتغولون ويسمعون تحريضهم وتهييجهم الذي لا يريدون من ورائه خيرا للبلاد والعباد.

وعوض أن يكون الصحفي المهني حلقة وصل بين الشارع وصناع القرار، وعيونا يقظة تكشف الحقائق وتدحض المغالطات، نجد بعضهم يذوب في غمرة عاطفية ويغيب عن التحليل الرصين، ومنه يتسع الفراغ أكثر، فتتسلل خطابات متطرفة وأجندات خفية لتستثمر في حيرة الشباب، وتحوّل مطالب "جيل Z" الطبيعية في التعبير والمشاركة إلى وقود لاصطدامات مجانية مع المؤسسات.

إن هذا الفراغ الإعلامي يفتح الباب أمام أصوات أخرى لا هم لها سوى شحن الأجواء وبث الشكوك بيننا وبين أبنائنا من "جيل Z"، فتتحول ساحة النقاش من فضاء للتنوير والفهم إلى حلبة للتحريض والتأليب، والنتيجة فهي ضبابية تعم المشهد، وشباب يُدفع إلى موقع الصدام بدل أن يجد من يشرح له، بموضوعية، ما له وما عليه.

لذلك نقول لـ"جيل Z" عبروا لكن لا تلتفتوا للمحرضين ولا تنساقوا وراء النافخين في النار ومن يأكلون الثوم بأفواه الغير.

آخر الأخبار