الاحتجاجات تدفع التهراوي إلى البرلمان وسط انتقادات حادة للوضع الصحي
شهدت الساحة السياسية والاجتماعية بالمغرب خلال الأسابيع الأخيرة حالة من التوتر المتصاعد بسبب الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت عدداً من المدن، وعلى رأسها أكادير، حيث رفع المحتجون مطالب تتعلق أساساً بتجويد خدمات قطاع الصحة.
هذه الدينامية الميدانية العفوية والمتواصلة عجّلت بضرورة حضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، إلى مجلس النواب من أجل مناقشة الوضعية الراهنة للمنظومة الصحية، وما رافقها من اختلالات أثارت جدلاً واسعاً في الشارع والإعلام والبرلمان.
ودعت اللجنة النيابية المكلفة بالقطاعات الاجتماعية الوزير للمثول أمامها، يوم غد الأربعاء لمناقشة التدابير الحكومية العاجلة الرامية إلى تسريع تنزيل إصلاح المنظومة الصحية وضمان حق المواطنين في العلاج، وهو الاجتماع الذي يأتي استجابة لطلبات عدة فرق برلمانية.
من بين هذه المبادرات، برز طلب الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، الذي نبه إلى الوضعية “الكارثية” التي يعيشها المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني بأكادير، حيث يعاني من نقص حاد في التجهيزات والموارد البشرية، وغياب مستلزمات أساسية تجعل المرضى وأسرهم يصفونه بـ”مستشفى الموت”.
الانتقادات لم تتوقف عند حدود أكادير، بل امتدت إلى مناطق أخرى، حيث وجّهت فرق برلمانية متعددة أسئلة كتابية إلى الوزير حول الوضعية المتدهورة لمستشفيات في الشرق والدار البيضاء ومناطق أخرى.
وسلطت النائبة فريدة خنيتي عن فريق التقدم والاشتراكية الضوء على مشاكل حادة في مستشفيات بركان ووجدة وفجيج، من بينها نفاذ بعض اللقاحات الحيوية للأطفال.
فيما نبهت النائبة نجوى ككوس عن الأصالة والمعاصرة في سؤالها الكتابي الموجه لوزير الصحة إلى وضعية خطيرة بمستشفى عبد الرحيم الهاروشي للأطفال في الدار البيضاء، حيث يواجه الطاقم الطبي ضغطاً كبيراً بسبب خصاص مهول في الأطر والتجهيزات، وصلت حد وفاة رضيعة لعدم توفر حاضنة اصطناعية.
هذا التدهور البنيوي أعاد إلى النقاش مسألة العدالة المجالية في توزيع البنيات الصحية، إذ أشار نواب آخرون إلى تأخر افتتاح المستشفى الجامعي الجديد بأكادير، وإلى المعاناة اليومية لمرضى الأمراض النفسية في مستشفى الرازي بتيط مليل، إضافة إلى التأخر الكبير في إنجاز المستشفى الإقليمي بمنطقة فحص أنجرة.
هذه الوقائع المتفرقة كشفت عن صورة شاملة لوضع صحي هش يعاني من أعطاب متراكمة، بين ضعف التجهيزات وقلة الموارد البشرية واختلالات في الحكامة والتدبير.
في مواجهة هذا الضغط الاجتماعي والبرلماني، سارع وزير الصحة إلى اتخاذ إجراءات تأديبية وتنظيمية، شملت إعفاء مسؤولين جهويين وإقليميين بجهة سوس ماسة، وفسخ عقود بعض الشركات المتعاقدة في خدمات النظافة والاستقبال والحراسة، مع إعلان الوزارة عن إطلاق لجان ميدانية للمواكبة ابتداءً من شتنبر 2025 لدعم المستشفيات العمومية وتعزيز أساليب الحكامة.
كما وجه الوزير تعليمات للمسؤولين المركزيين والجهويين قصد توفير بيئة عمل ملائمة للأطر الطبية وضمان كرامتهم، موازاة مع تشديد الرقابة على الانضباط لمواقيت العمل والالتزام بالأخلاقيات المهنية.
لكن رغم هذه التدابير، ظل السؤال الأكبر مطروحاً حول نجاعة هذه الحلول وقدرتها على الاستجابة السريعة لانتظارات المواطنين الذين خرجوا إلى الشارع ضمن موجة احتجاجات شبابية واسعة يقودها جيل “Z”، رافعين مطالب اجتماعية تتعلق أساساً بتحسين خدمات الصحة والتعليم وتوفير فرص الشغل ومحاربة الفساد.
البرلمان بدوره سيجد في جلسة الوزير مناسبة لمساءلة الحكومة بشكل مباشر حول خططها العملية لتأهيل البنيات التحتية الصحية وتجويد الخدمات وتعزيز الموارد البشرية.
ومن المرجح أن تستغل المعارضة المناسبة لتكثيف انتقاداتها وتأكيد فشل التدبير الحكومي في قطاع يعدّ أحد أعمدة الحقوق الأساسية المنصوص عليها دستورياً.
وبين وعود الإصلاح وإكراهات الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الحكومة على تجسيد تعهداتها بترسيخ دولة اجتماعية تحمي صحة مواطنيها وتصون كرامتهم.