شبح العزل يطارد المنتخبين قبل انتخابات 2026
في مشهد سياسي وقانوني يزداد سخونة مع توالي الأحداث، عادت مسطرة عزل المنتخبين المحليين لتتصدر واجهة النقاش العمومي بقوة، بعد أن تقاطرت المراسلات الرسمية على مكاتب عمال العمالات والأقاليم، وصولا إلى وزارة الداخلية، في إطار تفعيل القوانين المنظمة لتدبير الشأن العام المحلي.
هذا الحراك المتسارع يضع المجالس المنتخبة في قلب دائرة الرقابة والمساءلة، ويطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية المنتخبين، وحجم تأثير هذه الإجراءات على ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية، لاسيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي تعيد خلط الأوراق السياسية وتضع النخب المحلية أمام اختبار حقيقي للمصداقية.
هذا التوجه، الذي برز بقوة في جهات الدار البيضاء-سطات، مراكش-آسفي وبني ملال-خنيفرة، أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود استقلالية المنتخبين أمام سلطة الوصاية الإدارية، ومدى تأثير ذلك على صورة المؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، بعث الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، رسالة مباشرة إلى وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يطالبه فيها بالتدخل لعزل رئيس جماعة مرتيل بعمالة المضيق الفنيدق، بعدما صدر في حقه حكم قضائي نهائي بالإدانة من أجل التزوير في محررات عرفية. ورغم الحكم، ما يزال المعني بالأمر يزاول مهامه على رأس المجلس الجماعي.
بنعبد الله وصف الوضع بـ“الانزلاقات الخطيرة”، محذرا من المساس بمبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين، ومعتبرا أن استمرار الرئيس في موقعه يوجه إشارة سلبية للرأي العام حول سيادة القانون.
وأشارت المراسلة التي وجهها الأمين العام للحزب أشارت أيضا إلى أن رئيس جماعة مرتيل أدرج نقطة تتعلق بإقالة ثلاثة أعضاء من حزب التقدم والاشتراكية ضمن جدول أعمال دورة أكتوبر، بدعوى التغيب عن الدورات.
غير أن الأعضاء المعنيين أكدوا أنهم لم يتوصلوا باستدعاءات رسمية، وأن توقيعات ورقة التسليم مزورة، وهو ما اعتبره الحزب محاولة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمجلس بشكل يخدم الرئيس، ويمنع مرشحي الحزب من الترشح لرئاسة الجماعة في حالة تطبيق مقتضيات فقدان الأهلية الانتخابية.
هذا الملف لم يبق محصورا في دائرة السجال السياسي، بل دخلت على خطه الجمعية المغربية لحماية المال العام، التي طالبت وزارة الداخلية بإعمال القانون وعزل رئيس جماعة مرتيل، مؤكدة أن رفض محكمة النقض لطعنه يجعل معاينة استقالته القانونية مسألة ملزمة.
واستندت الجمعية إلى مقتضيات القانون التنظيمي المتعلق باللوائح الانتخابية، الذي ينص صراحة على فقدان حق التسجيل في اللوائح لكل من صدر في حقه حكم قضائي بعقوبة سالبة للحرية تفوق المدة المحددة.
إلى جانب ذلك، وجه محامون وفاعلون حقوقيون رسائل إلى وزارة الداخلية يطالبون فيها بتفعيل مقتضيات قانونية أخرى، على رأسها المادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات، المرتبطة بحالات تضارب المصالح.
عبد العزيز القنفود، محام بهيئة أكادير، طالب الوزير بضرورة التعامل بصرامة مع حالات ثبت فيها أن منتخبين ربطوا مصالح خاصة بالمجالس التي ينتمون إليها، معتبرا أن أي تساهل قد يفسر كـ“انتقائية” في تطبيق القانون.
كما طفت إلى السطح قضية جماعة القصيبة بجهة بني ملال-خنيفرة، حيث اتهم ثمانية عشر مستشارا من أصل واحد وعشرين رئيس الجماعة بتزوير محضر دورة استثنائية عقدت في غشت الماضي، ما دفعهم إلى مراسلة والي الجهة ومطالبته بتفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات.
المستشارون أوضحوا أن إحدى نقاط جدول الأعمال لم تحظَ بالأغلبية، ورغم ذلك أدرجت ضمن المحضر وكأنها صودق عليها بالإجماع.
وفي العاصمة الاقتصادية، أثارت عضوية سعيد الناصري في مقاطعة سيدي بليوط جدلا واسعا، بعد أن استمر اسمه ضمن أعضاء المجلس رغم وجوده رهن الاعتقال الاحتياطي في ملف جنائي حساس يتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات.
معارضون داخل المجلس اعتبروا أن الوضع يسيء لصورة المؤسسة المنتخبة، ويضعف ثقة المواطنين، مطالبين بتفعيل مسطرة العزل لإعادة الاعتبار لقواعد النزاهة والشفافية.
ويعكس تنامي هذه القضايا بوضوح انتقال المحاكم الإدارية إلى واجهة محاسبة المنتخبين المحليين. فخلال الفترة ما بين 2018 و2024، تضاعف عدد طلبات العزل المرفوعة ضد رؤساء وأعضاء المجالس، لتنتقل من 49 طلبا سنة 2018 إلى 102 طلب في 2024، أي ما مجموعه 362 طلبا خلال ست سنوات. كما ارتفع عدد الأحكام الصادرة بشكل لافت، مسجلا قفزة من 41 حكما سنة 2018 إلى 108 أحكام في 2024، بنسبة زيادة تجاوزت 160 في المائة.
تقرير صادر عن المجلس الأعلى للقضاء كشف أن عمال العمالات والأقاليم كانوا المبادر الأساسي في تقديم طلبات العزل، حيث بلغت نسبتهم نحو نصف مجموع الطلبات، بينما تركزت أكبر الأرقام في المحاكم الإدارية بالدار البيضاء ومراكش والرباط.
هذا التباين بين المناطق يبرز أن الجماعات الحضرية الكبرى أكثر عرضة للمتابعة، بالنظر إلى حجم المشاريع والاستثمارات التي تديرها، وما يرافقها من إكراهات مرتبطة بالشفافية والمساءلة.
ومع هذا التوجه المتنامي، يظل النقاش مفتوحا حول التوازن المطلوب بين سلطة الوصاية الإدارية واستقلالية المنتخبين المحليين.
فبين من يرى أن هذه المساطر ضرورية لتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومن يعتبرها تكريسا لوصاية قد تضعف المؤسسات المنتخبة، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن في نزاهة العملية الديمقراطية وشفافية تدبير الشأن المحلي.