600 درهم أجراً لحارس.. صفقات المستشفيات بالملايين تذهب لشركات بلا كفاءة

الكاتب : انس شريد

03 October 2025 - 07:30
الخط :

تشهد المنظومة الصحية في المغرب نقاشا محتدما خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما كشفت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية عن وجود اختلالات واسعة في الصفقات المرتبطة بخدمات الحراسة والنظافة والاستقبال وتدبير النفايات داخل المستشفيات العمومية.

هذه الصفقات، التي يفترض أن تكون جزءا من تحسين جودة الخدمات، تحولت وفق اعتراف رسمي إلى مصدر قلق وتشكيك، بعدما تبين أن عشرات الشركات المتعاقدة لا تتوفر على الكفاءة أو التخصص اللازمين لتأدية مهامها.

وأكد وزير الصحة أمين التهراوي، وخلال عرض مطول أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، أن أكثر من سبعين في المئة من الشركات التي دخلت هذا المجال لا تستجيب للمعايير الأساسية.

وأوضح أن بعضها يفتقر إلى الخبرة والاحترافية، بل ويشغّل أطر غير مؤهلة وبدون أي تكوين، مشيرا إلى أن شركات برأسمال لا يتجاوز عشرة آلاف درهم تفوز بصفقات بملايين الدراهم، وهو ما يطرح علامات استفهام حول معايير التعاقد والرقابة.

التهراوي انتقد أيضا الأوضاع الاجتماعية للعاملين في هذه الشركات، مبرزا أن الكثير منهم يتقاضون أجورا “مهينة” لا تتجاوز 600 درهم في الشهر، بينما يحرم آخرون من رواتبهم لعدة أشهر متتالية.

وقال في تصريح لافت: “هل يعقل أن نضع حارسا في مستشفى كبير ونعطيه 600 درهم ونجبره على تدبير حياته داخل فضاء يعج بالمرضى والزوار؟”.

وأضاف أن هذا الوضع يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية قد تهدد نزاهة الخدمات الصحية وسلامة المواطنين.

وأقر الوزير بأن غياب المراقبة الصارمة وتشتت المسؤوليات داخل المستشفيات ساهم في تفاقم هذه الاختلالات، إذ تحولت بعض التجاوزات إلى ما يشبه “قاعدة صامتة”، في وقت يستحيل على مدير المستشفى مراقبة كل عامل أو مستخدم بشكل فردي.

وهو ما دفع الوزارة، بحسب قوله، إلى التفكير في حلول جذرية تعيد الانضباط والاحترافية إلى هذا القطاع.

ضمن هذا السياق، أعلنت وزارة الصحة عن إعداد دفتر تحملات جديد “صارم واحترافي”، يفرض شروطا دقيقة على الشركات الراغبة في دخول هذه الصفقات. وتشمل هذه الشروط التخصص الواضح في المجال، وتوظيف أشخاص مؤهلين أكاديميا ومهنيا، والالتزام بأداء الأجور في وقتها واحترام حقوق المستخدمين.

وأكد الوزير أن الوزارة أوقفت بالفعل بعض العقود بعد أن أظهرت التحقيقات وجود خروقات جسيمة، في إشارة إلى أن المسار الجديد لن يكون مجرد إعلان نوايا.

كما أشار التهراوي إلى أن هذه المراجعة لن تقتصر على الحراسة والنظافة فقط، بل ستشمل صفقات الاستقبال وتدبير النفايات التي تعاني بدورها من نفس الأعطاب. وأكد أن الوزارة مصممة على إعادة تنظيم هذا المجال بشكل شامل، بما يضمن كرامة العاملين من جهة، ويؤمن بيئة صحية ملائمة للمواطنين والمهنيين من جهة أخرى.

هذا الملف، الذي أثير في سياق احتجاجات اجتماعية واسعة يقودها شباب “جيل زد” في عدد من المدن المغربية، أعاد إلى الواجهة النقاش حول جودة الخدمات العمومية، وخاصة قطاع الصحة الذي يعد من أبرز مطالب المحتجين.

وتشهد مدن مغربية عدة منذ أيام موجة احتجاجية غير مسبوقة قادها بالأساس شباب ينتمون إلى ما يعرف بجيل "زد"، رافعين شعارات اجتماعية واقتصادية تطالب بفرص شغل كريمة، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، إلى جانب مطالب بمحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.

هذه الدينامية الشبابية، التي برزت بشكل مفاجئ وسريع، عكست تحولا في أساليب التعبير والاحتجاج بالمغرب، بعدما اعتمدت على شبكات التواصل الاجتماعي كوسيلة رئيسية للتعبئة والتنظيم، بعيدا عن الوسائط التقليدية من أحزاب سياسية ونقابات أو جمعيات مدنية.

وإذا كانت أولى الوقفات قد اتسمت بالسلمية وبتنظيم حضاري، فإن المشهد سرعان ما تغير في بعض المناطق، حيث اندلعت أعمال عنف وتخريب طالت ممتلكات عامة وخاصة.

وسجلت مدن مثل سلا وأيت عميرة والقليعة ووجدة ومراكش حالات اعتداء على متاجر كبرى ومؤسسات بنكية، إلى جانب إلحاق أضرار بسيارات تابعة للأمن والدرك، الأمر الذي أثار قلقا واسعا في صفوف المواطنين ودفع السلطات الأمنية إلى إعلان حالة استنفار من أجل احتواء الوضع والحد من الانفلاتات.

وبينما يشدد المسؤولون الحكوميون على أن الإصلاح يحتاج إلى رؤية متدرجة وطويلة الأمد، يرى مراقبون أن صفقات المستشفيات تمثل أحد الاختبارات الكبرى أمام الوزارة، ليس فقط لضبط التسيير الداخلي، بل أيضا لاستعادة ثقة المواطن في مؤسسة حيوية يعتبرها الكثيرون الحلقة الأضعف في السياسات العمومية.

في انتظار ما ستسفر عنه مراجعة هذه الصفقات، يبقى الرهان معقودا على أن تتحول الإصلاحات المعلنة إلى إجراءات ملموسة تغير واقع العاملين والمرضى داخل المستشفيات العمومية، وأن تشكل بداية مسار يقطع مع مظاهر الفوضى والاختلال التي أقرت بها الوزارة نفسها.

آخر الأخبار