لشكر: تهميش الأحزاب والنقابات فتح الباب أمام احتجاجات غير مؤطرة

الكاتب : انس شريد

05 October 2025 - 06:30
الخط :

في الأيام الأخيرة، تعيش مدن مغربية عديدة على وقع حراك اجتماعي متصاعد قادته فئة الشباب، خاصة المنتمين إلى ما يُعرف بجيل “زد”، في خطوة احتجاجية غير مسبوقة من حيث الشكل والمضمون.

هذا الحراك الذي انطلق بشكل تلقائي من الفضاءات الرقمية نحو الشارع، رفع شعارات تطالب بفرص عمل تحفظ الكرامة، وتعليم وصحة بجودة أفضل، إلى جانب دعوات صريحة لمحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، في مشهد يعكس تنامي الإحباط من الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعيشه الشباب المغربي.

ما يميز هذه التعبئة الشبابية هو انفصالها التام عن الوسائط التقليدية التي كانت تحتكر الفعل الميداني لسنوات، مثل الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات.

فجيل “زد” استثمر قوته الرقمية الهائلة في خلق فضاء جديد للاحتجاج والتنظيم، مستغلاً منصات التواصل الاجتماعي كأداة للتعبئة وتبادل المعلومات وتحديد أماكن التجمعات، ما أربك الفاعلين السياسيين الذين وجدوا أنفسهم أمام موجة احتجاجية لا قائد واضح لها ولا مرجعية تنظيمية معلنة.

هذه الدينامية الجديدة كشفت عن تحول عميق في العلاقة بين الشباب والدولة من جهة، وبين المجتمع والسياسة من جهة أخرى.

ورغم الطابع السلمي الذي ميّز الموجات الأولى من الوقفات والمسيرات، فإن الأوضاع سرعان ما انزلقت في بعض المناطق إلى أعمال عنف وتخريب طالت ممتلكات عامة وخاصة. مدن مثل سلا وأيت عميرة والقليعة ووجدة ومراكش شهدت مشاهد فوضى شملت الاعتداء على مؤسسات تجارية وبنكية، وإلحاق أضرار بسيارات تابعة للأمن والدرك، ما أثار مخاوف واسعة لدى المواطنين ودفع السلطات الأمنية إلى إعلان حالة استنفار لضبط الوضع.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود الحق في الاحتجاج ومشروعية التعبير، في مقابل واجب الحفاظ على الأمن والممتلكات العامة، وسط تخوفات من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى مواجهات مفتوحة تُعيد الذاكرة إلى احتجاجات الريف وجرادة قبل سنوات.

في خضم هذه الأحداث، خرج إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتصريح لافت خلال كلمته في المؤتمر الإقليمي للحزب بمدينة فاس، اعتبر فيه أن ما يجري في الشارع ليس حدثاً عرضياً أو معزولاً، بل نتيجة طبيعية لتراكمات اجتماعية وسياسية ممتدة منذ انتخابات 2021، التي وصفها بأنها لحظة ميلاد “أزمة ثقة حادة” بين المواطنين والمؤسسات.

وأكد لشكر أن هذه الأزمة تفجرت اليوم في شكل غضب شبابي غير مؤطر، يعكس هشاشة الوضع الاجتماعي وغياب الحوار الحقيقي بين الدولة والمجتمع، مشدداً على أن الشباب المحتج لا يجب أن يُنظر إليه كخصم، بل كابن للوطن يطالب بالكرامة والاعتراف.

وأوضح لشكر أن الانتخابات الأخيرة أفرزت أغلبية “متغولة” هيمنت على مؤسسات الدولة من الحكومة إلى البرلمان، مروراً بالجهات والجماعات، ما أدى إلى إضعاف المعارضة وشلّ أدوار المؤسسات الوسيطة التي تشكل صمام الأمان الديمقراطي، مثل الأحزاب والنقابات والإعلام.

وأضاف أن هذه الهيمنة السياسية تمت عبر منظومة انتخابية معيبة وتقطيع مجحف، فضلاً عن استعمال مفرط للمال في العملية الانتخابية، ما جعلها تنحرف عن جوهر التنافس الديمقراطي وتتحول إلى آلية لإعادة إنتاج نفس النخب ونفس التوازنات.

وحذر لشكر من التعامل الأمني مع الاحتجاجات، معتبراً أن ما يحدث في الشارع “جرس إنذار حقيقي” يجب أن يدفع الجميع إلى مراجعة شاملة للمنظومة السياسية والاقتصادية، لا إلى البحث عن كبش فداء.

ودعا إلى إطلاق حوار وطني شامل مع الشباب حول قضايا التشغيل والتعليم والمشاركة السياسية، مذكراً بأن “واحداً من كل أربعة شباب مغاربة بين 15 و34 سنة عاطل عن العمل”، في إشارة واضحة إلى عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها سوق الشغل في البلاد.

كما دعا الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إلى إصلاح سياسي وانتخابي يستجيب لتوجيهات الملك محمد السادس، مؤكداً أن أي حديث عن المستقبل يظل ناقصاً دون إصلاح جذري للمنظومة الانتخابية التي يرى أنها كانت سبباً في “اختناق الحياة السياسية”.

وشدد على ضرورة إعادة الاعتبار للإعلام الحر والنقابات والأحزاب باعتبارها قنوات شرعية للتعبير عن المطالب الشعبية، معتبراً أن تهميش هذه الوسائط يفتح الباب أمام الاحتجاجات العفوية وغير المؤطرة.

آخر الأخبار