جماعة الدار البيضاء تسابق الزمن لامتصاص غضب تجار الحي الحسني
تعيش مدينة الدار البيضاء منذ أسابيع على وقع توتر اجتماعي متصاعد بين السلطات المحلية والتجار المتضررين من حملة هدم الأسواق العشوائية، التي أطلقتها الجماعة الحضرية في إطار ما تصفه بـ"مشروع تأهيل وتنظيم الفضاءات التجارية".
وبينما يعتبر المجلس الجماعي أن هذه العملية ضرورية لإعادة هيكلة المدينة وتحسين جاذبيتها الاقتصادية، يرى التجار أن القرارات المتخذة تمت دون بدائل عملية، مما تسبب في أزمة معيشية خانقة لآلاف الأسر التي تعتمد على النشاط التجاري كمصدر رزق وحيد.
وتبرز منطقة الحي الحسني كأكثر المناطق تضرراً من هذه الحملة، بعدما طالت عملية الهدم أسواقاً كبرى مثل “دالاس” و”صورصا 1 و2”، التي كانت تضم مئات المحلات التجارية التي تشكل شرياناً اقتصادياً رئيسياً للمنطقة.
فقد وجد مئات التجار أنفسهم، منذ أزيد من ثلاثة أشهر، بدون محلات أو دخل، وسط تزايد معاناتهم اليومية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي تنذر بتصاعد موجة الغضب الشعبي في الأحياء الجنوبية للعاصمة الاقتصادية.
عدد من التجار عبّروا عن استيائهم من "الطريقة المفاجئة" التي تمت بها عمليات الهدم، دون إشراكهم في البحث عن حلول بديلة أو توفير فضاءات جديدة قبل الشروع في التنفيذ.
ويؤكد بعضهم أن الحوار مع المجلس الجماعي كان "شكلياً"، وأن الوعود التي قُدمت لهم بشأن إعادة الإيواء أو التعويض المالي "ظلت حبراً على ورق"، فيما تزايدت التزاماتهم المالية بسبب القروض والمصاريف العائلية.
وأكد مصادر الجريدة 24 أن الأضرار لم تقتصر على الخسائر الاقتصادية فقط، بل طالت أيضاً النسيج الاجتماعي داخل الأحياء التي كانت تعتمد على تلك الأسواق لتلبية حاجياتها اليومية.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة وامتصاص غضب التجار، يتجه المجلس الجماعي للدار البيضاء، خلال الدورة العادية لشهر أكتوبر، إلى مناقشة حزمة من المشاريع والاتفاقيات ذات الصلة، في مقدمتها مشروع اتفاقية شراكة بين مجلس عمالة الدار البيضاء وجماعة الدار البيضاء وعمالة ومقاطعة الحي الحسني وشركة التنمية المحلية "الدار البيضاء للإسكان والتجهيزات"، من أجل تهيئة المركب التجاري "رياض الألفة" بتراب مقاطعة الحي الحسني، والذي يُرتقب أن يستقبل جزءاً من التجار المتضررين.
كما سيُعرض على المجلس مشروع ملحق تعديلي رقم 2 لاتفاقية انتداب شركة التنمية المحلية "الدار البيضاء للتهيئة" من أجل استكمال أشغال بناء وتهيئة سوق الألفة السفلى (دالاس)، الذي يُعتبر من أكبر المشاريع التجارية المنتظرة لإعادة تنظيم النشاط التجاري بالمنطقة.
ويندرج هذا المشروع ضمن رؤية شاملة تهدف إلى نقل التجار إلى فضاءات حديثة ومجهزة بالبنية التحتية اللازمة، في محاولة لاستعادة الثقة وتهدئة الأوضاع الاجتماعية.
ومن بين النقاط التي تراهن عليها عمدة المدينة، نبيلة الرميلي، خلال هذه الدورة، الدراسة والتصويت على الثمن الافتتاحي لاستغلال المحلات التجارية بالمركب التجاري “دالاس”، بناءً على تقييم اللجنة المختصة، إضافة إلى المصادقة على مشروع دفتر التحملات الخاص باستغلال هذه المحلات، في خطوة تهدف إلى تحديد شروط ومعايير عادلة تُمكّن التجار من العودة إلى نشاطهم في إطار منظم وشفاف.
وتؤكد مصادر مقربة من المجلس الجماعي أن العمدة الرميلي تتابع الملف عن قرب، وتعتبره أولوية قصوى في ظل حساسيته الاجتماعية والاقتصادية، مشيرة إلى أن الجماعة تعمل بتنسيق مع مختلف المتدخلين لإيجاد حلول عملية ومستدامة تُنهي حالة التوتر، وتعيد الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها في منطقة الحي الحسني.
في المقابل، يرى عدد من المراقبين أن نجاح هذه الخطوات مرتبط بسرعة التنفيذ ووضوح الرؤية في توزيع المحلات وتحديد المستفيدين، خاصة في ظل فقدان التجار للثقة في الوعود الرسمية.
كما يحذر بعض الفاعلين الجمعويين من أن أي تأخير إضافي في إنجاز المشاريع المقترحة قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، ويفتح الباب أمام احتجاجات جديدة يصعب السيطرة عليها.
ومع اقتراب انعقاد الدورة الجماعية، تترقب أعين التجار ما ستسفر عنه مداولات المجلس، وسط أجواء من الترقب والحذر.