هل تمثل “ورقة العلاج” بداية عهد جديد في تدبير الملفات الطبية بالمغرب؟

الكاتب : انس شريد

07 October 2025 - 08:30
الخط :

يشهد المغرب منذ أيام حراكًا اجتماعيًا غير مسبوق، تقوده فئات واسعة من الشباب، في مشهد يعيد إلى السطح أسئلة عميقة حول العدالة الاجتماعية وجدوى السياسات الحكومية ومدى قدرة النموذج التنموي الجديد على الاستجابة لتطلعات الجيل الجديد.

فالشوارع امتلأت في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس، حيث رفع آلاف المحتجين شعارات تطالب بفرص عمل حقيقية، وتحسين جودة التعليم والصحة، ومحاربة الفساد، وتحقيق المساواة في توزيع الثروة.

وما يميز هذا الحراك، الذي انطلق شرارته من العالم الرقمي، أنه جاء عفويًا ومنظمًا في الوقت ذاته، يعكس وعيًا مدنيًا جديدًا لدى الشباب المغربي، الذي اختار التعبير السلمي كأداة ضغط اجتماعي وسياسي.

وقد أكد المحتجون في تصريحات متفرقة أنهم لا يسعون إلى المواجهة أو العنف، بل إلى إيصال رسالة مفادها أن “الصبر نفد” وأن الوعود الحكومية لم تعد تكفي.

في المقابل، أبدت السلطات العمومية حذرًا واضحًا في تعاملها مع هذه الموجة، إذ شددت على احترام حق التظاهر السلمي ضمن الضوابط القانونية، لكنها تدخلت بحزم في بعض المدن لمنع الانفلات الأمني، خصوصًا بعد تسجيل أعمال تخريب محدودة في مناطق مثل آيت اعميرة وإنزكان وسلا، حيث تحولت احتجاجات شبابية صغيرة إلى مواجهات مع قوات الأمن، أدت إلى أضرار مادية في مؤسسات مصرفية وتجارية وعدد من المركبات.

وقد سارعت وزارة الداخلية إلى طمأنة الرأي العام، مؤكدة أن الوضع “تحت السيطرة”، وأن الحكومة مستعدة للإصغاء إلى المطالب المشروعة للشباب ضمن إطار الحوار والمسؤولية.

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، برزت تصريحات وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي التي جاءت لتضيف بُعدًا تقنيًا مهمًا للنقاش الدائر حول السياسات العمومية، خصوصًا ما يتعلق بالحق في الصحة وجودة الخدمات الطبية.

وكشف الوزير في مقابلة بثتها القناة الثانية مساء أمس الإثنين عن قرب مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية الخاصة بالخدمات الصحية، مشيرًا إلى أن الوزارة تشتغل منذ أشهر مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على هذا الملف بهدف “الرفع من قيمة بعض الخدمات وتحقيق توازن بين مختلف التخصصات”.

وأوضح أن المراجعة المنتظرة ستتم بتنسيق مع الهيئة العليا للصحة، التي ستتولى التقييم والمصادقة على المقترحات الجديدة بعد شروعها في مهامها، مؤكداً أن الهدف هو وضع تسعيرة عادلة تراعي مصلحة المريض والطبيب والمؤسسات الصحية على حد سواء.

ولم يقتصر حديث الوزير على الجانب المالي فقط، بل تطرق أيضًا إلى أحد أهم الأوراش الرقمية التي تعتزم الوزارة إطلاقها مطلع سنة 2026، والمتمثل في “الورقة العلاجية الإلكترونية” التي ستحدث تحولاً جذريًا في طريقة تدبير الملفات الطبية للمؤمنين.

وأوضح التهراوي أن هذه الورقة ستمكّن كل مريض من تتبّع ملفه الطبي إلكترونيًا دون الحاجة إلى الوثائق الورقية، مما سيساهم في تسريع التعويضات وتقليص الأخطاء الإدارية والطبية على حد سواء.

وأكد أن عملية تعميم هذه المنظومة ستكون تدريجية، مشيرًا إلى أن الوزارة تراهن على رقمنة العلاقة بين المريض ومؤسسات العلاج وشركات التأمين في أفق التخلص الكامل من المعاملات الورقية خلال السنوات القليلة المقبلة.

كما تناول الوزير في الحوار ذاته ملف الأدوية، وهو من أكثر القضايا حساسية لدى المواطنين، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتفاوتها بين الصيدليات.

وأوضح التهراوي أن وزارته تبذل جهودًا كبيرة لتخفيض أسعار الأدوية عبر التفاوض مع مختلف الفاعلين في القطاع، من شركات تصنيع واستيراد وتوزيع، بهدف ضمان ولوج المواطنين إلى الدواء بأسعار منصفة.

ولفت إلى أن المفاوضات تراعي خصوصية السوق المغربية وحجمها المحدود مقارنة بأسواق دولية أخرى، مبرزًا أن بعض الشركات الأجنبية تبرّر الفوارق في الأسعار بحجم الاستهلاك السكاني والعلاقات التجارية التي تربطها بحكومات تلك الدول. وأكد أن الوزارة تسعى إلى إيجاد توازن بين خفض الأسعار وضمان استمرار تزويد السوق الوطنية بالأدوية الأساسية دون انقطاع.

وتأتي هذه التصريحات في لحظة دقيقة تمر بها البلاد، حيث ترتفع المطالب الاجتماعية ويزداد الضغط على الحكومة لتقديم حلول ملموسة، لا وعود سياسية.

آخر الأخبار