المعارضة تحذر من “مدينة بسرعتين” وتدعو إلى مراجعة برنامج عمل جماعة الدار البيضاء
تشهد العاصمة الاقتصادية للمملكة، هذه الأيام نقاشًا حادًا داخل مجلسها الجماعي حول طريقة توزيع المشاريع والبرامج التنموية بين مختلف مقاطعات المدينة، وسط اتهامات متبادلة بين المعارضة والأغلبية بشأن غياب العدالة المجالية وتغليب منطق الولاءات السياسية على المصلحة العامة.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه رئاسة المجلس أن برامج التنمية تسير وفق رؤية منسجمة ومخطط جماعي واضح، ترى المعارضة أن الواقع يكشف عن “مدينتين داخل المدينة الواحدة”، حيث تسير بعض المقاطعات بسرعة الإنجاز والاستفادة، بينما تظل أخرى تعاني البطء والتهميش.
خلال أشغال الدورة العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء المنعقدة يوم أمس الثلاثاء 7 أكتوبر 2025، وجّه عدد من المنتخبين انتقادات حادة إلى المكتب المسير، مطالبين بتوزيع أكثر إنصافًا للمشاريع المبرمجة.
واعتبر المستشارون أن بعض المقاطعات تستفيد بانتظام من الدعم والتمويلات، بينما تبقى مقاطعات أخرى في الهامش دون أي حضور فعلي في جداول التنفيذ.
وذهب البعض إلى القول إن هذا الاختلال في توزيع المشاريع أصبح يعمق الفوارق داخل العاصمة الاقتصادية، ويكرس شعورًا بالتمييز لدى الساكنة.
وانتقد عبد الصمد حيكر، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة الدار البيضاء، ما وصفه بـ“التمييز المجالي الواضح” بين مناطق المدينة، مشيرًا إلى أن الجماعة تغرق في أداء التعويضات الناتجة عن أحكام قضائية بسبب اعتداءات مادية كبيرة، ناتجة عن “نزع ملكيات بطرق غير قانونية”.
وقال حيكر في مداخلته إن “العمدة وأغلبيتها يمارسون قرارات فردية وغير تشاركية، تخالف القانون، وتزيد من احتقان الشباب وتعمّق فقدان الثقة في المؤسسات”. و
وتساءل عن أسباب غياب النقاش داخل اللجان حول الأحكام القضائية التي تخص الجماعة، سواء تلك التي صدرت ضدها أو لصالحها، موضحًا أن العمل الجماعي يتطلب الشفافية واستمرارية المسؤولية بين الولايات، لأن “التاريخ لم يبدأ مع المجلس الحالي”، على حد قوله.
وأشار حيكر إلى أن المجلس الحالي يشتغل في كثير من الأحيان بمنطق الولاءات والقرابات الحزبية في توزيع المشاريع، بدل اعتماد مقاربة الإنصاف والعدالة المجالية، وهو ما يكرّس تفاوتًا صارخًا بين مقاطعات المدينة.
ودعا إلى عقد لقاء مباشر بين العمدة وممثلي مختلف الفرق السياسية، سواء بشكل جماعي أو فردي، بهدف تقييم حصيلة المشاريع وتحيين برنامج عمل الجماعة الذي وصفه بأنه “يعاني من ثغرات كبيرة ولم يُنفذ في أغلب جوانبه”.
من جانبه، اعتبر مصطفى الحيا، عضو فريق العدالة والتنمية بالمجلس، أن الاحتجاجات التي شهدتها مختلف المدن المغربية مؤخرًا، والتي قادها شباب جيل “زد”، كانت إشارة قوية إلى مطالب اجتماعية واضحة، في مقدمتها إصلاح التعليم والصحة ومحاربة الفساد.
وقال الحيا مخاطبًا العمدة إن “المجالس الجماعية ليست مسؤولة مباشرة عن التعليم أو الصحة أو التشغيل، لكن مسؤوليتها السياسية والأخلاقية تكمن في محاربة الفساد داخل الجماعة، خصوصًا في ما يتعلق بتدبير الصفقات العمومية”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “جيل زد لا يثق في الخطابات، بل ينتظر إشارات عملية وملموسة على الأرض”، داعيًا إلى مراجعة طرق إبرام الصفقات واعتماد معايير الشفافية والإنصاف.
وأضاف أن التركيز على محاسبة الموظفين وحدهم باعتبارهم الحلقة الأضعف في منظومة الفساد ليس عدلًا، وأن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق من يتخذ القرار ويدبر الميزانيات.
وتوقف المتحدث عند ملف سوق الجملة للخضر والفواكه، الذي كان يشكل أحد أهم مصادر مداخيل الجماعة، منتقدًا غياب رؤية واضحة للبدائل المالية بعد إعادة هيكلته، خصوصًا وأن المشروع يشترك فيه ثلاث جماعات دون تحديد دقيق للمسؤوليات والاختصاصات، مما قد يؤثر سلبًا على التوازن المالي للجماعة.
كما انتقد لغياب العدالة المجالية بين المقاطعات، مؤكدا أن المجلس الحالي فشل في تحقيق التنمية المتوازنة وتدبير الاختلاف السياسي بذكاء ومسؤولية.