ملف اسكوبار الصحراء.. شهادة نقيب الزاوية الناصرية تخلط الأوراق والناصري يطعن في حياد الشهود

الكاتب : انس شريد

09 October 2025 - 06:30
الخط :

تتواصل أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أطوار واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ القضاء المغربي الحديث، والمعروفة إعلاميا بملف “إسكوبار الصحراء”.

القضية التي تتشابك فيها خيوط السياسة والمال والرياضة، وتورط فيها أسماء نافذة من برلمانيين ورجال أعمال ومسؤولين سابقين، تزداد تعقيدا مع كل جلسة جديدة تكشف عن معطيات مثيرة وتفاصيل غير مسبوقة حول شبكة دولية ضخمة للاتجار في المخدرات وتبييض الأموال.

في جلسة اليوم، التي شهدت حضورا مكثفا من ممثلي وسائل الإعلام والمهتمين بالشأن العام، مثل أمام المحكمة نقيب الزاوية الناصرية بتمكروت، رضوان الناصري، الذي أدلى بشهادة وُصفت بالمفصلية في هذا الملف، بعدما كشف عن تفاصيل لقاء جمعه سنة 2013 بكل من المتهم الرئيسي، البارون المالي أحمد بن إبراهيم، الملقب بـ"إسكوبار الصحراء"، وسعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي.

وأوضح الشاهد أن اللقاء جرى بمناسبة مهرجان محلي نظم بإقليم زاكورة، حيث طلب منه سعيد الناصري تحرير شهادة انتساب بخط اليد تفيد بأن والدة المواطن المالي منحدرة من الزاوية الناصرية، وهو ما تم بالفعل، قبل أن يهدي الأخير سيارة من نوع “كيا” لنقيب الزاوية.

وأكد الشاهد أن الزاوية الناصرية دأبت على تحرير مثل هذه الشهادات لأغراض رمزية وشرفية دون أي قيمة قانونية، نافيا أن تكون الوثيقة الممنوحة قد استُعملت بشكل رسمي في مساطر الحصول على الجنسية المغربية.

لكنه أقر في الوقت ذاته بأنه سمع لاحقا بمحاولات لاستغلالها لهذا الغرض، مشددا على أن الزاوية لم تكن على علم بذلك.

غير أن شهادة نقيب الزاوية لم تكن الوحيدة التي أثارت الاهتمام خلال الجلسة، إذ أدلت كاتبة سابقة بنادي الوداد الرياضي بشهادة مطولة أمام المحكمة، تطرقت فيها إلى علاقتها بسعيد الناصري خلال فترة توليه رئاسة النادي، وإلى تفاصيل ما عُرف إعلاميا بملف “السيارات الست” التي قيل إنها كانت مملوكة للنادي واستعملت في أغراض شخصية.

وقالت الشاهدة إنها كانت تشتغل ككاتبة إدارية بالنادي وليس ككاتبة خاصة للرئيس، مؤكدة أنها تعرضت للطرد سنة 2019 لأسباب تجهلها، وأن نزاعها القضائي كان مع شركة النادي وليس مع الناصري شخصيا.

وخلال إفادتها، نفت الشاهدة ما نسب إليها في محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بخصوص تصريحاتها حول السيارات، مؤكدة أنها لم تقل يوما إن الناصري جلبها أو كان وراء نقلها إلى مركب محمد بنجلون.

كما شددت على أن بعض الأسماء التي وردت في المحاضر لا تنتمي إلى الهيكلة الرسمية للنادي، بل كانت تعمل مع الناصري بشكل شخصي.

في المقابل، واجه سعيد الناصري الشاهدة مباشرة، معتبرا أنها “تعرف كل صغيرة وكبيرة داخل النادي” وأن طردها كان مبررا بارتكابها “خطأ جسيما”، وهو ما نفته الأخيرة جملة وتفصيلا، مؤكدة أن قرار فصلها تم بعد اتصال شخصي من الناصري وأنها أُجبرت على توقيع إشهاد يُنهي علاقتها الشغلية.

المرافعات التي تلت شهادات اليوم كانت بدورها مثيرة، إذ ركز دفاع سعيد الناصري على الطعن في مصداقية الشاهدة، معتبرا أن بينها وبين موكله “عداوة سابقة” تجعل أقوالها فاقدة للحياد.

وقال المحامي امبارك المسكيني في تصريحات صحفية بعد انتهاء الجلسة إن الشاهدة سبق أن رفعت دعوى قضائية ضد نادي الوداد خلال فترة رئاسة الناصري، ما يجعل شهادتها مشوبة بالتحيز.

غير أن النيابة العامة ردت على هذه الدفوع بقوة، معتبرة أن الشكاية كانت موجهة ضد النادي كمؤسسة وليس ضد الناصري شخصيا، وبالتالي لا يمكن اعتبارها سببا كافيا لنسف أقوالها.

وشدد ممثل النيابة العامة على أن الشاهدة أدت اليمين القانونية أمام الهيئة، وهو ما يمنح شهادتها قوة اعتبارية لا يمكن التشكيك فيها إلا بأدلة قاطعة، داعيا إلى رفض ملتمس الدفاع، وهو ما استجابت له المحكمة بعد مداولة قصيرة.

وفي خضم تبادل الاتهامات، عاد نقيب الزاوية الناصرية ليؤكد أن علاقته بسعيد الناصري كانت “روحية واجتماعية” لا غير، وأنه استضافه في إطار ودّي خلال زياراته المتكررة للزاوية، خصوصا بعد انتخابه نائبا برلمانيا عن إقليم زاكورة.

وأوضح أن طلب السيارة كان قديما يعود إلى سنة 2011، حين طالب الناصري بمساعدة الزاوية في اقتناء وسيلة نقل، قبل أن يتصل به سنة 2013 لتسلمها من شركة تعود للمواطن المالي، دون أن تكون له أي علاقة مالية مباشرة مع الأخير.

من جهته، نفى سعيد الناصري مجددا أن تكون له علاقة شخصية أو مالية بـ“إسكوبار الصحراء”، مؤكدا أن الملف الذي تعامل معه كان ذا طابع إداري بحت، وأنه ساعد المواطن المالي بناء على وثيقة رسمية تفيد بانتماء والدته للزاوية الناصرية، دون أن يكون على علم بخلفياتها أو نوايا استغلالها في إجراءات الجنسية.

وأضاف أنه اتصل بنقيب الزاوية سنة 2014 بطلب من جهة رسمية لحضور حفل تابع للقصر الملكي، في إطار مهام بروتوكولية لا علاقة لها بالقضية موضوع المتابعة.

وفي ختام الجلسة، قررت هيئة المحكمة تأجيل النظر في الملف إلى غاية 16 أكتوبر الجاري، بعد جلسة استغرقت ساعات طويلة وشهدت نقاشا حادا بين الدفاع والنيابة العامة، وسط ترقب واسع من الرأي العام الذي يتابع أطوار هذه القضية المعقدة بشغف وقلق في آن واحد.

وأصبحت القضية التي انطلقت خيوطها الأولى قبل سنوات بعد تفكيك شبكة دولية للاتجار في المخدرات تنشط بين المغرب ودول الساحل وغرب إفريقيا، اليوم مرآة تعكس حجم التداخل بين المال والسلطة والرياضة في المغرب.

آخر الأخبار