بين ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات.. هل يواجه المغرب أزمة دوائية حقيقية؟
تشهد السوق الدوائية المغربية في الآونة الأخيرة حالة من الجدل والقلق المتصاعد بعد تسجيل ارتفاع في أسعار عدد من الأدوية الحيوية، إلى جانب انقطاع أصناف أساسية يعتمد عليها آلاف المرضى المصابين بأمراض مزمنة.
هذه التطورات أثارت موجة من التساؤلات داخل الأوساط الصحية والبرلمانية حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمة، ومدى جاهزية الحكومة لمواجهتها وضمان الأمن الدوائي للمواطنين.
في هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية حنان أتركين، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، سؤالاً شفوياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، نبهت فيه إلى الغياب المقلق لدواء “الميثوتريكسات” بنوعه الفموي من الصيدليات المغربية.
وأوضحت أن هذا الدواء يشكل عنصراً محورياً في علاج أمراض التهابية مزمنة مثل الروماتيزم والذئبة والصدفية، وأن انقطاعه يعرض حياة آلاف المرضى للخطر، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون عليه بشكل يومي للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية.
وحذرت النائبة البرلمانية من أن التقارير الطبية الصادرة عن أطباء الروماتيزم تكشف أرقاماً مقلقة، إذ إن أكثر من 96 في المائة من المرضى اضطروا إلى قطع العلاج بسبب عدم توفر الدواء.
وأشارت إلى أن هذا التوقف يدفع الكثيرين إلى استعمال بدائل علاجية مثل “الكورتيزون” بجرعات مرتفعة، مما يتسبب في مضاعفات صحية خطيرة من بينها هشاشة العظام وارتفاع ضغط الدم والسكري ومشاكل القلب.
وأكدت أتركين أن غياب الأدوية الأساسية لا يهدد فقط صحة المرضى، بل يثقل كاهلهم مالياً، حيث يضطر البعض إلى اللجوء إلى أدوية بيولوجية باهظة الثمن لا تشملها التغطية الصحية الإجبارية.
كما نبهت إلى أن هذه الأزمة تزيد الضغط على المستشفيات العمومية التي تستقبل أعداداً متزايدة من المرضى الذين يعانون من انتكاسات بسبب توقف العلاج المنتظم.
وطالبت البرلمانية الحكومة باتخاذ تدابير عاجلة لضمان التزويد المستمر بالأدوية الحيوية، سواء عبر تشجيع الإنتاج المحلي أو من خلال التعاقد مع مزودين خارجيين موثوقين، داعية إلى إعداد استراتيجية وطنية محكمة لتأمين المخزون الدوائي وتفادي تكرار مثل هذه الأزمات، خاصة بعد حوادث التسمم الأخيرة الناتجة عن أخطاء في الجرعات أو غياب المراقبة الكافية.
من جهته، أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي في حوار سابق له على قناة الثانية، أن الوزارة تعمل على معالجة هذه الإشكالات من خلال حوار متواصل مع مختلف المتدخلين في القطاع الدوائي، موضحاً أن الهدف هو التوصل إلى توازن بين خفض الأسعار وضمان استمرارية تزويد السوق الوطنية بالأدوية.
وأشار الوزير إلى أن الشركات الأجنبية المنتجة تسعى إلى الحفاظ على هوامش ربحها، مبررة انخفاض الأسعار في دول أخرى بعوامل تتعلق بحجم الأسواق والعلاقات التعاقدية مع الحكومات المحلية.
وأضاف التهراوي أن المفاوضات الجارية مع الشركات الموزعة والمصانع المحلية تهدف إلى وضع سياسة دوائية وطنية أكثر عدلاً وشفافية، تمكن المواطنين من الحصول على الأدوية بأسعار معقولة دون المساس بجودة الخدمات الصحية أو بقدرة الشركات على الاستمرار في الإنتاج والتوزيع.
وفي سياق متصل، كشف الوزير خلال اجتماع للجنة الشؤون الاجتماعية بمجلس المستشارين عن استراتيجية جديدة لضبط سوق الأدوية والمنتجات الصحية، تقوم على تفعيل “الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية” التي تم إحداثها حديثاً لتعويض مديرية الأدوية التابعة للوزارة.
وأوضح أن هذه الوكالة جاءت لمعالجة “اختلالات تدبيرية وأخلاقية” كانت تعاني منها المنظومة القديمة، مبرزاً أن الهدف هو بناء نموذج حديث وشفاف يعتمد على الرقمنة الشاملة في إدارة المخزون وتتبع الصفقات.
وأشار التهراوي إلى أن الرقمنة تمثل اليوم أولوية قصوى في عمل الوزارة، باعتبارها السبيل الأنجع لضبط تدفق الأدوية وضمان التوزيع العادل بين الجهات، إلى جانب الحد من التلاعبات التي كانت ترافق بعض الصفقات العمومية الخاصة بالتجهيزات الطبية.
كما أكد أن الوكالة الجديدة تعمل على تكييف الإطار القانوني الوطني مع المعايير الدولية، بما يعزز تنافسية الصناعة الدوائية المغربية في الأسواق العالمية ويتيح فرصاً أكبر للتصدير.
وكشف الوزير أن أكثر من ربع ميزانية وزارة الصحة يُخصص للأدوية والتجهيزات، وهو ما يجعل تدبيرها تحدياً محورياً في إصلاح المنظومة الصحية.
وأوضح أن الوزارة تسعى إلى إرساء نظام مراقبة متكامل يسجل كل عملية صرف واقتناء، بما يتيح مراقبة دقيقة للمخزون ويمنع التوقف المفاجئ في التزويد أو تبديد المال العام، مؤكداً أن الإصلاح الجاري لن يكون تقنياً فحسب، بل أيضاً إصلاحاً هيكلياً يهدف إلى ضمان العدالة الدوائية وتحقيق الأمن الصحي للمواطنين.
وبينما تتواصل الجهود الحكومية لتطويق الأزمة، يرى متتبعون أن الحلول المستدامة تقتضي أكثر من مجرد إجراءات ظرفية، إذ يتعين تعزيز السيادة الدوائية الوطنية وتشجيع الاستثمار في الصناعات المحلية القادرة على تأمين الاحتياجات الأساسية من الأدوية، خاصة تلك المتعلقة بالأمراض المزمنة والمكلفة.
وفي انتظار ذلك، يظل المرضى الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تجمع بين ضغوط السوق ومحدودية الإنتاج وكلفة العلاج، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى سياسات اجتماعية أكثر جرأة تضع صحة المواطن فوق أي اعتبار اقتصادي.