شبيبات حزبية تكثف تحركاتها لاحتواء غضب "جيل Z" وإعادة الثقة في العمل السياسي

الكاتب : انس شريد

09 October 2025 - 10:30
الخط :

يشهد المغرب منذ مطلع شهر شتنبر الماضي حراكًا شبابيًا لافتًا، قاده جيل جديد من المغاربة الذين نشأوا في زمن الرقمنة والانفتاح المعلوماتي، بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية الكلاسيكية والانتماءات الأيديولوجية الضيقة.

حراك شبابي يتجاوز الشعارات السياسية التقليدية ليضع نصب عينيه قضايا معيشية واقتصادية ضاغطة، من قبيل تدهور الخدمات العمومية في مجالي الصحة والتعليم، وغياب فرص الشغل، وتراجع الثقة في الوعود الحكومية المتكررة.

وتدفقت موجات المحتجين إلى الشوارع في كبريات المدن المغربية مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة، حاملين لافتات تعبر عن مطالبهم في إطار سلمي منظم، بينما حرصت السلطات على تأمين المظاهرات من خلال انتشار أمني كثيف لضمان النظام العام ومنع أي انزلاقات.

ورغم أن الطابع العام للاحتجاجات ظل سلمياً، فإن بعض المناطق كآيت اعميرة وإنزكان وسلا شهدت مناوشات محدودة تحولت في لحظات متوترة إلى مواجهات بين محتجين وقوات الأمن، ما أسفر عن أضرار طالت بعض المؤسسات التجارية والمصرفية، وعدد من سيارات الشرطة.

وفي أعقاب تلك الأحداث، أكدت السلطات العمومية تمسكها بمبدأ احترام الحق في التظاهر السلمي باعتباره مكفولاً دستورياً، مشددة في المقابل على رفضها القاطع لأي ممارسات تنطوي على تخريب أو مساس بالممتلكات العامة والخاصة، في توازن دقيق بين حفظ الأمن وضمان حرية التعبير.

في خضم هذا الزخم الميداني، بدأت بوادر تفاعل سياسي ومجتمعي مع مطالب الشباب، تجسدت في تنظيم مؤسسة الفقيه التطواني، يومي الأربعاء والخميس، لقاءً وطنياً حمل شعار "أحبك يا وطني"، ضمن برنامج "شباب يساهمون، شباب يتحاورون"، بمدينة سلا.

اللقاء جمع بين شبيبات أحزاب الأغلبية والمعارضة، إلى جانب عدد من ممثلي جيل Z، في محاولة لخلق فضاء للحوار والتقارب بين الفاعلين الشبابيين والمؤسسات السياسية.

غير أن أصواتاً شبابية مشاركة في الحوار أبدت خيبة أملها من غياب خطوات عملية تستجيب لمطالبهم على أرض الواقع، معتبرين أن النقاشات واللقاءات لا تزال حبيسة الخطاب دون ترجمة فعلية في السياسات العمومية.

وأبرز شباب جيل Z أنهم اختاروا منصة "ديسكورد" للتواصل والتنظيم، ليس بدافع اللحظة، بل انطلاقاً من تجربة اكتسبوها خلال جائحة كورونا، حين تحولت هذه المنصة إلى مساحة آمنة للتفاعل وتبادل الأفكار بعيداً عن الرقابة والوصاية السياسية. عبرها ينظم المحتجون نقاشاتهم، ويبلورون أفكارهم بشكل جماعي، ويخلقون جسراً تواصلياً واسعاً بين الفضاء الرقمي والواقع الميداني.

ويصر هؤلاء الشباب على سلمية تحركاتهم واستقلاليتها، مؤكدين أن احتجاجهم لا يستهدف أي جهة سياسية بعينها، بل يسعى إلى دفع الحكومة نحو اتخاذ قرارات ملموسة في مجالات التعليم والتشغيل والصحة والعدالة الاجتماعية.

ويعتبرون أن حراكهم يشكل نقداً بناءً للسياسات العمومية، وليس تمرداً على المؤسسات، إذ تهدف مطالبهم إلى تحسين الواقع المعيشي للمواطنين وتعزيز الكرامة والإنصاف الاجتماعي.

في المقابل، بادرت شبيبات الأحزاب السياسية، سواء من الأغلبية أو المعارضة، إلى تكثيف تحركاتها الميدانية والإعلامية لمحاولة احتواء التوتر الاجتماعي، وإعادة مدّ جسور التواصل مع الشباب الغاضب.

فقد أكدت هذه الشبيبات دعمها لمطالب جيل Z المشروعة، معتبرة أن التظاهر السلمي أحد أركان الممارسة الديمقراطية في المغرب.

كما أعلنت عن برامج للتواصل المباشر مع الشباب داخل الجامعات والأحياء، إلى جانب دعوات متكررة للانخراط في الحياة الحزبية، والتسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة في تقييم أداء المسؤولين المحليين والحكوميين.

وأوصت الشبيبات بضرورة تجاوز الاكتفاء بالفضاء الرقمي، والعمل على تحويل النقاشات الافتراضية إلى مبادرات عملية داخل المؤسسات السياسية والمجتمع المدني، معتبرة أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالمشاركة الواعية، لا بالعزوف أو الاحتجاج فقط.

وتجسد هذه التحركات مشهداً جديداً في علاقة الشباب المغربي بالمجال العام، حيث لم يعد التعبير السياسي حبيس الأطر التقليدية، بل صار يتخذ أشكالاً مبتكرة تجمع بين التكنولوجيا والميدان.

آخر الأخبار