الخطاب الملكي يضع أحزاب الأغلبية أمام مسؤولية تقييم أداء الجماعات الترابية

الكاتب : انس شريد

12 October 2025 - 10:00
الخط :

تعيش أحزاب الأغلبية الحكومية، المكونة من حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، على وقع حركية تنظيمية غير مسبوقة استعدادًا لعقد اجتماعات تقييمية واسعة مع الأمناء الجهويين والمحليين، في خطوة تهدف إلى مراجعة أداء الجماعات الترابية التي تسيرها هذه الأحزاب، والوقوف على مكامن الخلل والنجاح في التدبير المحلي.

هذه المبادرة تأتي في سياق سياسي دقيق يتزامن مع الخطاب الملكي الأخير، الذي دعا إلى تجديد النفس الإصلاحي وتسريع وتيرة التنمية الترابية وفق رؤية منسجمة وشاملة.

وكشفت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، خلال لقاء داخلي مع مناضلي حزبها، أن حزب الأصالة والمعاصرة سيشرع ابتداء من الأسبوع المقبل في عقد سلسلة اجتماعات تقييمية مع الأمناء الجهويين والمحليين، تخص الجماعات التي يسيرها الحزب والبالغ عددها أكثر من 350 جماعة عبر مختلف جهات المملكة.

وأوضحت المنصوري أن الهدف من هذه اللقاءات هو “الوقوف بموضوعية على نقاط القوة والضعف، وتجديد التعاقد السياسي مع المواطنين على قاعدة النجاعة والنتائج”.

وتأتي هذه الدينامية التنظيمية في وقت يشهد فيه المشهد الحزبي المغربي مراجعات متسارعة في ضوء التوجيهات الملكية الأخيرة، حيث حمل خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية البرلمانية الحالية، رسائل استراتيجية تتجاوز الإطار الحكومي والبرلماني الضيق نحو أفق تنموي أوسع.

وقد دعا جلالته في خطابه إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى وإطلاق جيل جديد من البرامج التنموية، يقوم على التكامل بين المجالين الحضري والقروي، بما يضمن توزيعًا عادلًا للفرص وثمار النمو بين مختلف فئات المجتمع.

وأكد الخطاب الملكي كذلك على أن تأطير المواطنين والتعريف بالمبادرات العمومية مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، بل تشمل الأحزاب السياسية والبرلمان والمجالس المنتخبة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، في إطار رؤية تشاركية تضع المواطن في صميم العمل العمومي.

وهي رسالة قرأها العديد من المتابعين على أنها دعوة صريحة للأحزاب إلى إعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين عبر تفعيل أدوارها الدستورية في التأطير والتواصل والمساءلة.

وفي الوقت الذي تنكب فيه أحزاب الأغلبية على تقييم حصيلتها الترابية، يعيش المغرب على إيقاع حراك اجتماعي متجدد تقوده فئة شبابية تنتمي إلى ما أصبح يُعرف بـ“جيل زد”، وهو جيل نشأ في بيئة رقمية مفتوحة على العالم، يتفاعل بسرعة مع الأحداث، ويعبّر عن آرائه وتطلعاته بأساليب جديدة تتجاوز الأطر التقليدية.

فقد شهدت مدن مغربية كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس مظاهرات سلمية رفعت شعارات اجتماعية واقتصادية تركز على تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية، وتوسيع فرص التشغيل، وضمان العدالة المجالية والكرامة المعيشية.

ورغم الطابع الاحتجاجي لهذه التحركات، فإنها كشفت عن مستوى متنامٍ من النضج السياسي لدى الشباب المغربي، الذي أصبح يميل أكثر نحو التعبير السلمي والمطالبة بالإصلاح من داخل المنظومة المؤسساتية، بدل تبني مواقف القطيعة أو المواجهة.

هذا التحول في نمط التعبير السياسي يعكس تطور الوعي المدني لدى الجيل الجديد، الذي يرى في الفعل الجماعي والتواصل الرقمي أدواتٍ فعالة للضغط من أجل التغيير وتحسين الأداء العمومي.

وتدرك السلطات العمومية، من جانبها، أهمية الإنصات لهذه الأصوات الجديدة والتفاعل معها بقدر من التوازن، حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي من جهة، وضمانًا لحق المواطنين في التعبير والمشاركة من جهة أخرى.

كما يُنتظر أن تُسهم اللقاءات التقييمية التي تعتزم أحزاب الأغلبية عقدها في إعادة توجيه البوصلة السياسية نحو ما يريده الشارع، عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة وتبني مقاربة إنصات فعالة.

وبين خطاب ملكي داعٍ إلى تجديد الرؤية التنموية، وحراك شبابي يطالب بالإصلاح، تجد الأحزاب السياسية نفسها أمام اختبار حقيقي لتأكيد قدرتها على تجسيد الوساطة بين الدولة والمجتمع، وبناء تعاقد سياسي جديد يقوم على الثقة، والفعالية، والنتائج الملموسة.

آخر الأخبار