أوزين: الخطاب الملكي خارطة طريق لا قرارا لحظيا.. والتغيير يمر عبر صناديق الاقتراع
في مشهد سياسي واجتماعي تتقاطع فيه الأسئلة حول موقع الشباب ودور الأحزاب في تأطيرهم، وجّه محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، يوم أمس السبت، خطابا مطولا خلال افتتاح الملتقى الوطني الخامس للشبيبة الحركية بمدينة بوزنيقة، دعا فيه إلى إعادة بناء جسور الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم، مبرزًا أن الأزمة الحقيقية التي تعيشها البلاد اليوم ليست فقط اقتصادية أو اجتماعية، بل “أزمة ثقة عميقة تضرب في جوهر العلاقة بين المواطن والدولة”.
واعتبر أوزين في كلمته أن تراجع منسوب الثقة لدى المغاربة في الأحزاب والنقابات والمنتخبين ووسائل الإعلام “جرّ المواطن إلى مواجهة مباشرة مع الدولة بدل الحكومة”، في وضع يراه مقلقًا ويستدعي تصحيحًا عاجلًا.
وأوضح أن ما نعيشه اليوم من فتور في الحياة السياسية “ليس نتيجة عزوف الشباب عن المشاركة، بل نتيجة فشل النخب في مخاطبتهم بلغة الحاضر واستيعاب تطلعاتهم”.
ووجه الأمين العام للحركة الشعبية رسائل مباشرة إلى الجيل الجديد الذي يسميه “جيل زيد”، مؤكدًا أن مستقبل المغرب لا يمكن أن يُبنى دون انخراط فاعل من شبابه.
وقال في هذا السياق إن “الطريق إلى التغيير طويل وشاق، لكنه ممكن إذا تم بالإرادة والعقل، لا بالغضب والانفعال”.
وأضاف أن المطلوب من الجيل الصاعد هو “تحويل الحماسة إلى وعي، والنقد إلى اقتراح، والاحتجاج إلى مبادرة”، معتبراً أن “العمل من داخل المؤسسات هو السبيل الأنجع لإصلاحها، لا هدمها”.
وفي نبرة تجمع بين التحذير والتفاؤل، أشار أوزين إلى أن الفساد “يجد طريقه حين يغيب التوازن بين الحق والواجب”، داعيًا الشباب إلى الحذر من “التيارات الانتهازية التي تتغذى من الإحباط وتستغل مطالب الإصلاح لمآرب ضيقة”.
وخلال كلمته، توقف أوزين عند التفاعل الشعبي الكبير مع الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان، مبرزًا أن البعض أساء فهم مضامينه حين انتظر منه قرارات فورية، بينما هو في جوهره “خارطة طريق تحدد توجهات الدولة الكبرى وتلزم الحكومة بترجمتها إلى سياسات واقعية في ميادين الصحة والتعليم والتشغيل والسكن”.
وأضاف أن الخطاب الملكي “جاء في لحظة تقييم لا توتر، وفيه شكر واضح للحكومة على ما تحقق، وتنبيه ضمني إلى ما لم يتحقق بعد”، مشيرًا إلى أن “التداول الديمقراطي على السلطة لا يكون بالمشاعر، بل عبر صناديق الاقتراع التي تمنح الشعب حق التصويت والعقاب”.
وشكل الملتقى الذي انعقد تحت شعار “من أجل شباب واعٍ، فاعل ومسؤول”، مناسبة لاستحضار الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل المشاركة السياسية للشباب، في ظل حراك اجتماعي متنامٍ تقوده فئة “الجيل الرقمي”، التي باتت تعبّر عن مطالبها بأساليب سلمية وحضارية غير مسبوقة.
في هذا السياق، دعا أوزين إلى “تحويل هذا الوعي الجديد إلى قوة اقتراحية منظمة داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة”، معتبراً أن السياسة “لن تستعيد معناها إلا إذا استعادت ثقة الشباب”، وأن “من واجب الأحزاب أن تنصت وتتعلم قبل أن تخطب”.
كما أكد أن المغرب في حاجة إلى طاقة الشباب “لا فقط كشعارات في الحملات الانتخابية، بل كعقول مبادرة تساهم في صياغة القرارات العمومية ومراقبتها”.
وجاءت كلمة أوزين في سياق وطني دقيق، تزامناً مع تنامي موجة احتجاجات شبابية تشهدها مدن عدة منذ مطلع شتنبر الماضي، تقودها فئة “جيل زد”، التي اختارت التعبير السلمي والحضاري عن مطالبها الاجتماعية والاقتصادية.
هذه الفئة، التي وُلدت في عصر الرقمنة والانفتاح الإعلامي، ترفض الانخراط في الأطر الحزبية التقليدية، لكنها تُصر على إسماع صوتها والمطالبة بإصلاحات عميقة تضمن العدالة والكرامة وفرص الشغل.
وتشير هذه التحركات إلى بروز وعي شبابي جديد، يؤمن بأن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من داخل المؤسسات ومن خلال الضغط الإيجابي والمشاركة المواطِنة.
وقد أظهرت الاحتجاجات الأخيرة أن هذا الجيل لا يطالب فقط بتحسين الأوضاع الاجتماعية، بل يسعى أيضاً إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس الثقة والمساءلة والشفافية.
وفي مقابل ذلك، تتعامل السلطات العمومية مع هذه التعبيرات الشبابية بمقاربة متوازنة، تسعى إلى حماية النظام العام مع احترام حرية التعبير والتجمع، إدراكاً منها بأن هذه الدينامية الاجتماعية هي جزء من تطور المجتمع المغربي وليست خروجاً عنه.
وتبدو الرسائل الملكية في هذا السياق بمثابة دعوة واضحة إلى تجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، عبر إشراك جميع الفاعلين في صياغة سياسات عمومية أكثر عدلاً وفعالية.
فالتنمية الترابية والعدالة المجالية، كما جاء في الخطاب الملكي، ليستا مجرد شعارات ظرفية، بل هما مشروع وطني طويل المدى يتطلب تعبئة شاملة ومتابعة دقيقة للنتائج.