شرطة النظافة تقترب من التنزيل.. الدار البيضاء ورهان ردع المخالفات
في خطوة نوعية تعكس تحوّلًا في فلسفة تدبير الشأن المحلي، تستعد مدينة الدار البيضاء لإطلاق تجربة رائدة على المستوى الوطني تتمثل في إحداث “شرطة النظافة”، وهي مبادرة جديدة تهدف إلى وضع حدّ للفوضى التي تعرفها بعض الفضاءات العامة بسبب السلوكيات غير المسؤولة المرتبطة برمي النفايات في غير أماكنها، وتعزيز ثقافة احترام البيئة داخل المجال الحضري.
ويأتي المشروع استجابةً لتطلعات الساكنة نحو مدينة نظيفة ومتحضّرة، ويعبّر عن إرادة سياسية واضحة في جعل النظافة رهانًا استراتيجيًا ضمن مسار تأهيل العاصمة الاقتصادية للمملكة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية شاملة تتبناها جماعة الدار البيضاء لتطوير منظومة التدبير البيئي، من خلال الانتقال من منطق الحملات الظرفية إلى منطق المراقبة المستمرة والزجر الميداني للمخالفات، بما يضمن احترام القانون ويحد من الممارسات المضرّة بالصحة العامة والمظهر الجمالي للمدينة.
كما تهدف التجربة إلى إشراك المواطن في الحفاظ على نظافة مجاله، عبر إرساء قواعد الانضباط الحضري وتكريس ثقافة المسؤولية المشتركة بين الأفراد والمؤسسات.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن شركة “كازا بيئة”، الذراع التقني لجماعة الدار البيضاء، تتجه لعقد اجتماع رسمي نهاية شهر أكتوبر الجاري مع والي جهة الدار البيضاء–سطات محمد امهيدية، ورئيسة المجلس الجماعي نبيلة الرميلي، من أجل وضع اللمسات الأخيرة على الإطار التنظيمي والقانوني لشرطة النظافة.
ومن المرتقب أن يتم الشروع في تنزيل هذه المبادرة ميدانيًا خلال الأسابيع الأولى من الشهر المقبل، في حال المصادقة النهائية على جدول المهام والاختصاصات.
وستضم شرطة النظافة فرقًا خاصة مزودة بوسائل مراقبة حديثة ووسائل اتصال رقمية تمكّنها من رصد المخالفات البيئية بشكل فوري، كما ستتولى تحرير محاضر في حق المخالفين وتوجيهها إلى المصالح المعنية من أجل اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وسيتم كذلك تنظيم دورات تكوينية لفائدة عناصر هذه الفرق حول كيفية التعامل مع المواطنين، وضمان تطبيق القانون في إطار من الانضباط والمسؤولية.
ويأتي هذا المشروع في سياق وطني ودولي يولي أهمية متزايدة لقضايا البيئة والاستدامة، حيث أصبحت المدن الكبرى مطالبة بتبني حلول مبتكرة لمعضلات النظافة وتدبير النفايات، بما يواكب التوسع العمراني والضغط السكاني الكبير.
وبالنسبة للدار البيضاء، التي تُعد القلب الاقتصادي للمغرب ومركزًا تجاريًا وصناعيًا حيويًا، فإن الرهان على النظافة لم يعد مجرد ترف حضري، بل ضرورة اقتصادية وصحية وسياحية في آن واحد.
وتزداد أهمية هذه المبادرة في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى مثل كأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، وهو ما يفرض على المدن المستضيفة، وعلى رأسها الدار البيضاء، الارتقاء بمعايير النظافة وجودة الخدمات العامة لتقديم صورة مشرفة عن البلاد أمام الزوار والوفود الدولية.
ورغم أن الفكرة ما تزال في مراحلها الأولى، فإنها تثير اهتمامًا واسعًا لدى المتتبعين، الذين يرون فيها خطوة جريئة نحو ترسيخ مفهوم “الشرطة البيئية” في المغرب، أسوة بتجارب ناجحة في عدد من الدول الأوروبية والعربية التي اعتمدت آليات مماثلة لضبط السلوكيات المخالفة داخل المجال العام.
ويؤكد المهتمين الشأن المحلي أن نجاح التجربة رهين بمدى تفعيلها بطريقة متوازنة تجمع بين الردع والتوعية، مع توفير الإمكانيات اللوجستية والبشرية اللازمة لضمان استمراريتها.
وفي انتظار تنزيلها الفعلي، تراهن جماعة الدار البيضاء على أن تشكل شرطة النظافة نقطة تحول حقيقية في مسار المدينة نحو نموذج حضري حديث يقوم على احترام القانون وصون جمالية الفضاء العام.