أثار وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، جدلاً واسعًا داخل مجلس النواب بعد عرضه لحصيلة الدخول المدرسي لهذه السنة، والذي أكد أنه مرّ في ظروف "جيدة وعادية" دون تسجيل اضطرابات تُذكر، مشيرًا إلى أن جميع التلاميذ التحقوا بمقاعد الدراسة في 15 شتنبر الماضي، في أول دخول مدرسي يتم في موعده الطبيعي منذ سنوات.
وأوضح برادة، خلال جلسة الأسئلة الشفوية، أن الوزارة أحدثت مركز اتصال ورقمًا أخضر لتلقي ملاحظات المديرين والمفتشين والأساتذة، من أجل التبليغ عن أي صعوبات تواجه المؤسسات التعليمية.
وأضاف أن المركز تلقى نحو 1300 اتصال، تمت معالجة 1140 منها، همّت أقسامًا بدون أساتذة، أو مؤسسات تأخرت أشغال ترميمها، أو نقصًا في التجهيزات والحواسيب، فضلًا عن تأخر في توزيع بعض الكتب المدرسية.
واستعرض الوزير بالأرقام ما وصفه بـ"التحول الملموس" الذي يعرفه القطاع، مشيرًا إلى أن عدد التلاميذ خلال هذا الموسم بلغ 9 ملايين، منهم مليون في التعليم الأولي، و1.2 مليون في التعليم الخصوصي، مقابل 7 ملايين في العمومي.
كما تم إحداث 169 مؤسسة تعليمية جديدة، 43 في المئة منها في الوسط القروي، وإضافة 2461 حجرة دراسية، نصفها تقريبًا بالعالم القروي، إلى جانب 15 داخلية جديدة في المناطق النائية.
وأوضح أن نصف المؤسسات التعليمية خضعت لأشغال ترميم وتأهيل، في انتظار استكمال تأهيل الباقي خلال السنتين المقبلتين.
وفي سياق حديثه عن البنية التحتية، اعترف الوزير بوجود تحديات كبيرة في بعض المناطق الجبلية والقروية، كاشفًا أن نحو 4000 مؤسسة تعليمية ستزود بالمراحيض وخدمة الماء الصالح للشرب.
وأكد أن الوزارة أطلقت خطة عاجلة لتزويد هذه المؤسسات بكل المرافق الضرورية قبل نهاية السنة، بما في ذلك الماء والمراحيض والتجهيزات الأساسية، ضمانًا لبيئة مدرسية لائقة وآمنة، خصوصًا للفتيات اللواتي يواجهن صعوبات إضافية بسبب غياب هذه المرافق.
لكن رغم الأرقام التي قدمها الوزير، لم تمرّ مداخلته دون انتقادات حادة من عدد من النواب الذين شككوا في واقعية هذه المؤشرات، مؤكدين أن الوضع الميداني لا يعكس الصورة التي تحاول الوزارة تقديمها.
وفي هذا الإطار، وصف النائب محمد هيشامي عن الفريق الحركي واقع الدخول المدرسي في بعض المناطق الجبلية بـ"المأساوي"، مشيرًا إلى أن مشاريع التأهيل التي تتحدث عنها الوزارة لا وجود لها على أرض الواقع.
وقال إن هناك مؤسسات تعليمية تفتقر لأبسط شروط التمدرس، من أبواب ونوافذ وتجهيزات، في غياب عمال الحراسة والدعم اللوجستي، داعيًا الوزير إلى توضيح طبيعة الدعم الذي تخصصه الوزارة للنقل المدرسي، خاصة وأن الجمعيات والجماعات الترابية، حسب قوله، تتحمل العبء الكامل لهذه الخدمة في غياب أي دعم مركزي فعلي.
ومن جهتها، عبّرت النائبة وسيلة الساحلي، باسم الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، عن استياء فريقها من استمرار المشاكل نفسها كل موسم دراسي رغم الخطاب الحكومي الذي تصفه بـ"المتفائل أكثر من اللازم".
وأوضحت أن مشروع "مدارس الريادة"، الذي يفترض أن يكون نموذجًا للإبداع والتحفيز، تحول في بعض المناطق إلى تجربة مرتبكة تفتقر للرؤية، بسبب ضعف تكوين الأطر التربوية والمختصين الاجتماعيين، وانعدام الربط بالإنترنت، وغياب التجهيزات الرقمية الأساسية التي يفترض أن تكون حجر الزاوية في هذا المشروع.
الجدل النيابي تصاعد أكثر بعد رفض الوزير الإجابة عن سؤال لإحدى نائبات المعارضة حول اختلالات مدارس الريادة، معتبرًا أن السؤال "شعبوي وغير جدي"، وهو ما أثار احتجاج فريق العدالة والتنمية، الذي وصف موقف الوزير بأنه "إخلال بواجب الاحترام بين المؤسسات الدستورية".
ورد برادة قائلاً إنه يفضل مناقشة الأسئلة "الموضوعية" التي تسهم في تقييم السياسات التربوية بدل الدخول في "مزايدات سياسية".
وخلال الجلسة نفسها، تطرق الوزير إلى ملف النقل المدرسي، مؤكداً أن هذا الاختصاص لا يدخل ضمن مسؤوليات وزارته المباشرة، بل يندرج ضمن صلاحيات المجالس الإقليمية، معربًا عن أمله في تحسين هذا المرفق بالتعاون مع وزارة الداخلية لضمان تنقّل آمن ومنظم للتلاميذ في المناطق القروية.
ورغم دفاع برادة عن حصيلة وزارته، شدد على أن إصلاح المنظومة التعليمية "لا يمكن إنجازه في سنة واحدة"، مبرزًا أن تأهيل آلاف المؤسسات يحتاج إلى وقت وميزانيات ضخمة.
وأكد أن الوزارة تعمل ضمن رؤية متوسطة المدى تستهدف تأهيل جميع المؤسسات التي لم تشهد إصلاحات منذ أكثر من عشرين سنة في غضون أربع سنوات، معتبرًا أن هذا "إنجاز واقعي وممكن" في ظل الإمكانات المتاحة.