الأغلبية تنقلب على برادة.. والوزير يعترف: إصلاح التعليم ليس بالأمر الهين
يعيش قطاع التعليم العمومي في المغرب واحدة من أكثر فتراته توتراً خلال السنوات الأخيرة، بعد أن فجّرت احتجاجات شباب “جيل زد” في الأسابيع الماضية نقاشاً وطنياً واسعاً حول مستقبل المدرسة المغربية وواقعها المتأزم.
هؤلاء الشباب، الذين ترعرعوا في عصر الرقمنة والانفتاح العالمي، خرجوا إلى الشوارع وفي الفضاءات الافتراضية للتعبير عن غضبهم من تدهور جودة التعليم العمومي، والاكتظاظ داخل الأقسام، وتراجع الكفاءة التربوية، معتبرين أن إصلاح المنظومة لم يعد شعاراً حكومياً بل ضرورة مجتمعية ملحّة.
وقد تحوّلت هذه الاحتجاجات إلى مرآة تعكس عمق الفجوة بين وعود الإصلاح وخيبات الواقع، في قطاع ظلّ يوصف لعقود بأنه “القضية الوطنية الثانية بعد الوحدة الترابية”، دون أن ينجح في تحقيق قفزة نوعية توازي طموحات الأجيال الجديدة.
في خضم هذا السياق المشحون، قدّم وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، اليوم الثلاثاء، عرضاً مطولاً أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، استعرض فيه واقع المنظومة التربوية وتحديات الدخول المدرسي 2025-2026.
الوزير، الذي بدا واعياً بثقل المهمة، أقرّ بصراحة نادرة بأن إصلاح المدرسة المغربية “ليس بالأمر الهيّن”، مؤكداً أن الجهود المبذولة ما تزال تصطدم بإكراهات بنيوية متراكمة.
وقال إن الوزارة تعمل على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع في مجال التعليم، من خلال تحديث البنيات التحتية، وتحسين ظروف المدرسين، وتوسيع العرض التربوي في المناطق القروية والهامشية.
وأبرز برادة أن الدخول المدرسي الحالي جرى التحضير له “بشكل مبكر وغير مسبوق”، عبر لجان مشتركة بين الأكاديميات والمديريات الإقليمية، مع إحداث مركز وطني للإنصات والمواكبة لمعالجة شكايات الأسر ومواكبة الصعوبات الميدانية.
وأشار إلى أن عدد التلاميذ في الموسم الجديد تجاوز 8.2 ملايين، بينهم سبعة ملايين في التعليم العمومي، مؤكداً أن هذه الأرقام “تعكس الثقة المستمرة في المدرسة الوطنية رغم كل التحديات”.
كما كشف عن إحداث 169 مؤسسة جديدة و2450 حجرة دراسية إضافية، إلى جانب توظيف 14 ألف أستاذ جديد، نصفهم تقريباً في الوسط القروي، معتبراً أن “هذه المعطيات تمثل بداية مرحلة جديدة في تعميم التعليم وتقليص الفوارق المجالية”.
ورغم هذه الأرقام الإيجابية التي عرضها الوزير، لم تُخفِ تدخلات عدد من النواب حالة القلق من بطء وتيرة الإصلاحات، مؤكدين أن المدرسة العمومية لا تزال تواجه اختلالات هيكلية تمس جودة التعليم وتكافؤ الفرص.
وانتقد بعض البرلمانيين المصطفين في صفوف الأغلبية الحكومية استمرار الاكتظاظ، وضعف التجهيزات، وغياب المرافق الأساسية في عدد من المؤسسات، معتبرين أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق بمجرد تحديث الأرقام أو تغيير المناهج، بل يحتاج إلى إرادة سياسية ومجتمعية شاملة.
واعتبر رئيس الفريق النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة، أحمد تويزي، أن فقدان الثقة في المدرسة العمومية بدأ من داخل النخب نفسها، قائلاً إن “كثيراً من المسؤولين الذين يتحدثون عن إصلاح التعليم يرسلون أبناءهم إلى مدارس البعثات الأجنبية”، وهو ما يعكس، في نظره، “تناقضاً يفرغ الخطاب الإصلاحي من مصداقيته”.
وأضاف أن المدرسة العمومية لم تعد، كما كانت في الماضي، سلّماً للترقي الاجتماعي، بل تحوّلت إلى “أداة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية”، مطالباً بإعادة الاعتبار للمدرسة الوطنية باعتبارها ركيزة العدالة الاجتماعية.
أما النائب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد غيات، فقد ركّز على ظاهرة الاكتظاظ التي وصفها بأنها “كارثية”، قائلاً إن بعض الأقسام تضم أكثر من سبعين تلميذاً، وهو ما يجعل عملية التعليم شبه مستحيلة.
ودعا الوزير إلى تجاوز “التدبير النمطي” والانتقال إلى حلول جريئة تعتمد على مقاربات ميدانية وابتكارية، مقترحاً إعادة النظر في طريقة توزيع الموارد البشرية، والاستفادة من التجارب الرقمية والتعليم المدمج لتخفيف الضغط على المؤسسات.
كما حذّر من ارتفاع معدلات الهدر المدرسي التي وصلت إلى 260 ألف تلميذ في العام الماضي، معتبراً أن هذا الرقم “ناقوس خطر يهدد مستقبل أجيال بأكملها”.
في المقابل، دافع الوزير برادة عن حصيلة عمله، مشدداً على أن الوزارة “بدأت بالفعل صفحة جديدة في مسار إصلاح التعليم”، من خلال تفعيل النظام الأساسي الجديد للأساتذة، وتعزيز آليات التقييم والمساءلة، وتوسيع تعليم اللغة الأمازيغية ليشمل نصف مدارس الابتدائي، وتعميم تدريس اللغة الإنجليزية على كل مستويات الإعدادي.
كما أشار إلى أن الوزارة تعتمد حالياً على الذكاء الاصطناعي في التخطيط التربوي، لتحديد حاجيات كل منطقة تعليمية بدقة أكبر، بعد سنوات من الاعتماد على أساليب وصفها بـ”العشوائية”.