"جيل زد" يعيد رسم المشهد السياسي.. شوكي: شرعية المنجز لا تكتمل إلا بشرعية المساءلة

الكاتب : انس شريد

15 October 2025 - 06:30
الخط :

يشهد المغرب في الأسابيع الأخيرة حراكا اجتماعيا متجددا تقوده فئة شبابية تنتمي إلى ما يُعرف اليوم بـ“جيل زد”، وهو جيل وُلد ونشأ في بيئة رقمية مفتوحة على العالم، يتميز بسرعة التفاعل مع الأحداث واستقلالية التفكير والتعبير، ويعتمد في إيصال صوته على أدوات جديدة تتجاوز الوسائط التقليدية.

فقد عرفت مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس مظاهرات سلمية رفعت شعارات اجتماعية واقتصادية، ركزت على قضايا التعليم والصحة وفرص الشغل والعدالة المجالية والكرامة المعيشية، في مشهد يعكس تحولا في نمط التعبير المدني لدى الجيل الجديد.

ورغم الطابع الاحتجاجي لهذه التحركات، فإنها حملت مؤشرات على نضج سياسي متزايد وسط الشباب المغربي، الذي بات يفضل أساليب الضغط السلمية والمطالبة بالإصلاح من داخل المنظومة المؤسساتية، بدل القطيعة أو المواجهة المباشرة.

هذا التحول يعبر عن وعي مدني متنامٍ يزاوج بين الحس الوطني والمطلب الاجتماعي، ويجعل من الفعل الجماعي والتواصل الرقمي أدواتٍ مؤثرة للتعبئة والمساءلة والمشاركة في النقاش العمومي.

وتدرك السلطات العمومية بدورها أهمية هذا الصوت الجديد الذي بات يفرض نفسه في الفضاء العمومي، وتُظهر في المقابل حرصًا على التعامل معه بقدر من التوازن، حفاظًا على الاستقرار الاجتماعي من جهة، وضمانًا لحق التعبير والمشاركة من جهة أخرى.

وفي سياق النقاش الدائر حول علاقة هذا الحراك بالمشهد السياسي، احتضنت مؤسسة الفقيه التطواني أولى لقاءات برنامجها الجديد “السياسة بصيغة أخرى”، المنظم تحت شعار “أحبك يا وطني”، بمشاركة عدد من قيادات أحزاب الأغلبية والمعارضة.

اللقاء خُصص لتقييم الأداء الحكومي ومناقشة العلاقة بين “شرعية المنجز” و“شرعية المساءلة”، في ظل ظرفية سياسية واجتماعية دقيقة تضع الحكومة والفاعلين السياسيين أمام امتحان الثقة والإنجاز.

وخلال هذا اللقاء، أكد محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، أن الأغلبية الحكومية مستعدة للدفاع عن المنجز الحكومي على ثلاثة مستويات مترابطة: أولها إبراز ما تحقق من إصلاحات ومشاريع، وثانيها تحديد الإكراهات التي تواجه التنفيذ باعتبارها تراكمات سلبية ترافق مسار الإصلاح في عدد من القطاعات، أما المستوى الثالث فيتمثل في الاعتراف بأوجه القصور متى وُجدت، مع مساءلة الذات حول أسبابها، سواء كانت متعلقة بالحكامة أو بالكفاءة أو بالزمن السياسي المتاح.

وأشار شوكي إلى أن الحكومة لا تتنصل من مسؤولياتها، لكنها في الوقت ذاته تدعو إلى قراءة منصفة للمرحلة، معتبرًا أن كثيرًا من الأوراش الجارية تحتاج إلى زمن سياسي أطول كي تؤتي ثمارها، لأن الإصلاحات الهيكلية الكبرى لا يمكن اختزالها في ولاية حكومية واحدة، بل تمتد على مدى أجيال.

وأوضح أن الأغلبية البرلمانية عازمة على التواصل المباشر مع المواطنين والنخب والمجتمع المدني، انسجامًا مع توجيهات الملك محمد السادس الداعية إلى جعل القرب من المواطن محورًا أساسيًا في العمل السياسي والمؤسساتي.

وفي ما يتعلق بالحركات الشبابية الأخيرة، اعتبر شوكي أن التعبيرات الاحتجاجية الجديدة تطرح أسئلة جوهرية على المستويين المجتمعي والسياسي، إذ أظهرت بروز فجوة بين الأجيال في طرق التفكير والتعبير.

فجيل اليوم، حسب قوله، له فضاؤه الخاص وطريقته في التواصل، وهي دينامية يجب أن تُفهم لا أن تُواجه، مضيفا أن هذه التعبيرات رغم بعدها عن الإطار المؤسساتي، فإنها تعكس انخراطًا سياسيًا غير تقليدي يعبّر عن ارتفاع منسوب الديمقراطية في البلاد، لكنه في الآن ذاته يستدعي تفكيرًا جماعيًا في سبل إدماجه ضمن مسارات الفعل السياسي المنظم.

ورأى شوكي أن الفجوة بين الشباب والمؤسسات الحزبية ليست معطى ثابتًا، بل فرصة لإعادة النظر في أساليب العمل الحزبي وتطوير أدوات التواصل السياسي لتتلاءم مع منطق العصر الرقمي، داعيا إلى استثمار الطاقات الشابة بدل تركها تتشكل خارج الأطر التنظيمية، مؤكدا أن الأحزاب إذا لم تنجح في الوصول إلى هذا الجيل، فعليها أن تراجع طرقها في الخطاب والتنظيم والتفاعل.

وفي معرض حديثه عن العلاقة بين الإنجاز والمساءلة، شدد رئيس الفريق النيابي لحزب الأحرار على أن “شرعية المنجز وشرعية المساءلة متكاملتان لا متعارضتان”، موضحًا أن المنجز يقوم على الكفاءة والشفافية والإشراك، بينما المساءلة تقوم على المراقبة والمحاسبة عبر البرلمان والمجتمع المدني والرأي العام، بما في ذلك التعبيرات الشعبية التي تشهدها الساحات والفضاءات الرقمية.

وأشار إلى أن غياب المساءلة يفرغ الإنجاز من مضمونه، ويفتح الباب أمام مظاهر الفساد وسوء التدبير وهدر المال العام، مضيفا أن التحدي المطروح اليوم هو تحقيق توازن بين الواقعي والافتراضي في العمل السياسي.

وختم شوكي مداخلته بالتأكيد على أن الأغلبية الحكومية تعتبر السنة الأخيرة من ولايتها سنة الحصيلة والتقييم، وأنها مستعدة للدفاع عن منجزها المرحلي باعتباره واقعيًا ومنسجمًا مع الإمكانيات المتاحة.

في المحصلة، يبدو أن المغرب يعيش لحظة سياسية واجتماعية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع مطالب الجيل الجديد، في مشهد يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة.

فبين حراك اجتماعي شبابي متجدد، وسعي رسمي إلى مأسسة الحوار والإنصات، تتجسد ملامح مغربٍ يتحرك بخطى ثابتة نحو تحديث تجربته الديمقراطية، في توازن دقيق بين الاستقرار والتغيير، وبين الواقعية والطموح.

آخر الأخبار