بعد شكاوى متزايدة.. حملات مكثفة بالبيضاء لإخلاء الأفارقة من الفضاءات العامة
شهدت مدينة الدار البيضاء خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا لافتًا في التوترات الاجتماعية بعد سلسلة من المواجهات بين مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء داخل عدد من الأحياء الشعبية، ما دفع السلطات إلى رفع درجة الاستنفار الأمني في العاصمة الاقتصادية.
هذا الوضع الذي أثار قلقًا متزايدًا لدى الساكنة، جعل النقاش العمومي يحتدم حول كيفية التعامل مع ظاهرة المهاجرين غير النظاميين التي باتت تفرض نفسها على الواقع الحضري للمدينة الأكثر كثافة في البلاد.
وتحوّلت مناطق مثل الولفة والحي الحسني وسيدي مومن ودرب ميلا إلى بؤر تشهد بين الفينة والأخرى احتكاكات وصدامات بين مجموعات من المهاجرين، وسط مخاوف السكان من تدهور الأوضاع الأمنية.
وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة توثق مشاهد مطاردات ومشاحنات، في حين عبّر مواطنون عن خشيتهم من انتشار الفوضى وتراجع الإحساس بالأمان في أحيائهم.
هذه التطورات المتسارعة دفعت السلطات إلى تكثيف تدخلاتها الميدانية وتنفيذ حملات أمنية واسعة في محاولة لإعادة الطمأنينة إلى الشوارع واستعادة النظام العام.
وفي مشهد استثنائي يعكس حجم التحولات التي تعرفها المدينة، استعادت الحديقة العمومية بحي درب ميلا صباح الأحد وجهها الأصلي بعد أن كانت لأسابيع مأوى عشوائيًا لعشرات المهاجرين.
وقد شهدت العملية تعبئة واسعة لعناصر الأمن والسلطات المحلية، حيث تمت إزالة الخيام والأفرشة المنتشرة داخل الحديقة بمساعدة جرافات وفرق النظافة التي أعادت ترتيب الفضاء وتنظيفه.
وأفادت مصادر من عين المكان أن عدداً من المهاجرين فروا نحو وجهات مجهولة فور انطلاق العملية، فيما تم نقل آخرين إلى مراكز إيواء مؤقتة في انتظار تسوية وضعيتهم.
ولاقت هذه العملية ترحيباً من ساكنة الحي الذين اشتكوا طيلة الأسابيع الماضية من تحويل الحديقة إلى فضاء غير آمن، بعدما أصبحت تعرف سلوكات مقلقة ومضايقات خاصة في حق النساء، فضلاً عن انتشار الأوساخ وتدهور المرافق.
وطالب السكان بضرورة استمرار المراقبة لضمان عدم عودة الفوضى مجددًا، داعين إلى حلول دائمة بدل التدخلات الظرفية التي لا تمنع تكرار المشكلة.
وتقول مصادر ميدانية إن هذه التحركات تأتي في إطار مقاربة “ضبط المجال العام” التي باتت الدار البيضاء تعتمدها بعد سلسلة من الأحداث التي خلّفت استياء واسعًا في أوساط الساكنة.
ولم تمر هذه الإجراءات دون تفاعل شعبي، إذ عبّر العديد من سكان الأحياء المعنية عن ارتياحهم لما اعتبروه استجابة عملية لمطالب طال انتظارها، خاصة بعد توالي الشكايات من مظاهر الفوضى في محيط محطات النقل العمومي والأسواق.
وأكد عدد من المواطنين أن انتشار مهاجرين في وضعية غير قانونية ساهم في تفاقم الإحساس بعدم الأمان، مشيرين إلى تسجيل حوادث عنف وسرقات في بعض المناطق.
في المقابل، شدد فاعلون حقوقيون على ضرورة عدم اختزال الملف في جانبه الأمني، معتبرين أن الهجرة الإفريقية نحو المغرب قضية إنسانية تتطلب معالجة شمولية توازن بين حماية النظام العام واحترام حقوق الإنسان.
ويرى الحقوقيون أن الاقتصار على الحلول الأمنية من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يدفع المهاجرين إلى العيش في الظل، ما يزيد من هشاشتهم ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال.
ودعوا إلى تبني رؤية قائمة على الإدماج الاجتماعي عبر إحداث مراكز استقبال مهيكلة، وتوفير برامج تكوين وتشغيل تسمح لهم بالعيش في ظروف قانونية تحفظ كرامتهم وتخفف الضغط عن الأحياء الهشة التي تستقبلهم.
كما نبّهت جمعيات مدنية مرارا إلى أن المغرب، باعتباره بلد عبور واستقرار في آن واحد، بحاجة إلى تحديث سياسته في مجال الهجرة بما يتلاءم مع التحولات الإقليمية والدولية.