التعليم في القرى بين وعود الإصلاح وواقع المعاناة.. البرلمان يواجه برادة بالحقائق
يعيش التعليم في العالم القروي واقعاً صعباً تتقاطع فيه مظاهر الهشاشة وضعف البنيات التحتية مع العزلة الجغرافية التي تعمّق الفوارق التعليمية بين الوسطين الحضري والقروي.
وتزداد الصورة قتامة في المناطق الجبلية حيث تتوزع الفرعيات على مسافات متباعدة، وتُدرَّس عدة مستويات داخل القسم الواحد، في ظل نقص الأطر التربوية وصعوبة توفير الموارد.
هذه الوضعية تُفرغ الخطط الإصلاحية من محتواها، وتجعل تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص تحدياً حقيقياً أمام المنظومة التعليمية.
في جلسة برلمانية حامية، تحولت قاعة مجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025، إلى ساحة لنقاش محتدم حول واقع التعليم في العالم القروي، بعدما وُجهت انتقادات لاذعة إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، بشأن ما وصفه المستشارون بـ"الفجوة العميقة بين الخطاب الإصلاحي والواقع الميداني".
فقد دعا المستشار البرلماني مولاي مسعود أكناو، عن فريق الأصالة والمعاصرة، الوزير إلى الكف عن الاقتصار على زياراته الميدانية للمؤسسات التعليمية الواقعة في المدن الكبرى والعواصم الإقليمية، مطالباً إياه بالنزول إلى القرى والمناطق الجبلية حيث تتجلى، على حد تعبيره، "الحقيقة المؤلمة" للمنظومة التربوية.
أكناو انتقد بشدة استمرار مظاهر الهشاشة في المؤسسات التعليمية القروية، مشيراً إلى أن عدداً من المدارس ما زال يفتقر إلى أبسط شروط السلامة والتجهيز، مضيفا أن الاكتظاظ في الفصول الدراسية بلغ في بعض المناطق ما بين أربعين وخمسين تلميذاً، في وضع وصفه بـ"غير التربوي وغير الإنساني"، مؤكداً أن ذلك يعكس خللاً بنيوياً في توزيع الموارد البشرية والبنيات التحتية.
وفي معرض مداخلته، نبه أكناو كذلك إلى حرمان عدد من التلاميذ من المنح المدرسية رغم هشاشة أوضاع أسرهم، معتبراً أن غياب العدالة في توزيع المنح يُعمّق الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي.
وفي رده على الانتقادات، أقر الوزير محمد سعد برادة بوجود مشاكل حقيقية في بعض المؤسسات التعليمية القروية، خصوصاً ما يتعلق بالاكتظاظ وضعف التجهيزات، معتبراً أن “هذه الوضعية غير مقبولة في مدرسة تسعى إلى الجودة”.
وأوضح أن الوزارة بصدد مراجعة منهجية التخطيط والبرمجة، بعد رصد اختلالات في المنظومة المعلوماتية، مؤكداً أن الإصلاح بدأ بالفعل وسيمكن من معالجة العجز خلال السنوات المقبلة.
وشدد برادة على أن الحل الجوهري يكمن في توسيع المدارس الجماعاتية وتوفير النقل المدرسي وإقناع الأسر بجدواها، مبرزاً أن بعض الأسر تفضل بقاء أبنائها في المدارس الفرعية القريبة رغم ضعف شروطها، وهو ما يعرقل توحيد الجهود في إطار نموذج تعليمي مندمج.
وأضاف الوزير أن قطاع التعليم ساهم بنسبة 70 في المئة في تقليص معدلات الفقر بالمغرب خلال العقد الأخير، معتبراً أن “الطريق نحو الجودة طويل لكنه يسير في الاتجاه الصحيح”، داعياً إلى الصبر والمثابرة في تنزيل الإصلاحات الميدانية.
النقاش البرلماني لم يتوقف عند الجوانب البنيوية للتعليم القروي، بل امتد إلى البعد الثقافي والتربوي، إذ شدد المستشار مصطفى العلوي إسماعيلي، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، على أهمية إدماج الأنشطة الثقافية والفنية في الوسط المدرسي القروي باعتبارها رافعة أساسية لتحسين جودة التعلم وتنمية شخصية المتعلمين.
وأوضح أن هذه الأنشطة لا يجب أن تُختزل في بعدها الترفيهي، بل ينبغي أن تُدمج ضمن المقاربة التربوية الشاملة، لما توفره من فرص لاكتشاف المواهب وتعزيز المهارات الحياتية لدى التلاميذ.
ورد الوزير برادة بالتأكيد على أن وزارته أحدثت 272 مؤسسة للتفتح الفني والثقافي، منها 234 في الوسط القروي، يستفيد منها نحو 160 ألف تلميذ عبر 857 مؤسسة تعليمية، مبرزاً أن هذه المبادرات تهدف إلى بناء الثقة بالنفس وتنمية الحس الإبداعي لدى المتعلمين.
إلا أن هذه الأرقام، وفق الحاضرين في قبة البرلمان، تظل بعيدة عن الواقع الميداني، إذ ما زالت المؤسسات التعليمية القروية تعاني من ضعف التجهيزات وقلة الأطر المختصة، في حين يظل تشتت الفرعيات والعزلة الجغرافية حاجزاً أمام تعميم هذه التجارب على نطاق واسع.