الدار البيضاء تضع اللمسات الأخيرة على مشروع معلق منذ 2014
تقترب مدينة الدار البيضاء من طيّ صفحة طويلة من الانتظار والتأجيل، مع اقتراب موعد افتتاح مشروع حديقة الحيوانات بعين السبع قبل متم السنة الجارية، بعد أكثر من اثني عشر عامًا من التعثرات التقنية والإدارية التي حولت المشروع إلى أحد أكثر الأوراش إثارة للجدل في العاصمة الاقتصادية.
ويُنتظر أن يشكل هذا الافتتاح حدثًا بارزًا في مسار المدينة، التي افتقدت منذ سنوات فضاءً بيئيًا وترفيهيًا يجمع بين التثقيف البيئي والترفيه العائلي.
وجاء هذا التطور في أعقاب زيارة ميدانية قام بها محمد الطاوس، عامل عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، يوم أمس الخميس، إلى جانب عمدة مدينة الدار البيضاء، إلى موقع المشروع لمعاينة مدى تقدم الأشغال ومواكبة آخر مراحل التهيئة قبل الافتتاح المرتقب.
وشملت الزيارة جولة داخل مختلف الفضاءات والمرافق الجديدة، من المساحات الخضراء والممرات الترفيهية إلى البنيات الخاصة بإيواء الحيوانات والمرافق البيطرية والتعليمية.
وأكدت مصادر "الجريدة 24"،أن الزيارة تأتي في إطار حرص الجهات المسؤولة على ضمان احترام معايير الجودة والسلامة والالتزام بالآجال المحددة، تنفيذًا للتوجيهات الملكية الرامية إلى تسريع وتيرة التنمية وتحسين جودة الحياة الحضرية.
ويُعدّ مشروع إعادة تأهيل حديقة عين السبع من المشاريع الحضرية الكبرى التي تسعى إلى استعادة مكانة المدينة كوجهة بيئية وسياحية، خصوصًا أن هذا الفضاء كان لعقود جزءًا من ذاكرة الأجيال البيضاء وملاذًا بيئيًا مفضلًا للأسر.
ويهدف المشروع إلى تقديم تجربة ترفيهية وتعليمية متكاملة من خلال فضاء عصري يمتد على مساحة تناهز 13 هكتارًا، خُصصت عشرة منها لإيواء الحيوانات ضمن ثلاث مناطق تمثل بيئات القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا وأمريكا، في محاولة لمحاكاة النماذج العالمية الرائدة في هذا المجال.
وتضم الحديقة أكثر من 300 حيوان من 75 نوعًا مختلفًا، موزعين ضمن فضاءات مصممة بعناية لتوفير بيئة قريبة من موطنهم الطبيعي، إلى جانب مزرعة تعليمية، مركز بيطري حديث، فضاءات للراحة والنزهة، مطاعم ومقاهي، وأروقة تربوية تستهدف الأطفال والعائلات.
كما تم الحرص على دمج الحديقة في النسيج الحضري عبر ربطها بشبكة النقل العمومي، خصوصًا قربها من محطة القطار، ما يمنحها بعدًا استراتيجيًا في تسهيل الولوج وتشجيع السياحة الداخلية.
ويُنتظر أن يسهم المشروع في تعزيز العرض الترفيهي للمدينة، التي تعاني من نقص واضح في الفضاءات الخضراء ومناطق الترفيه العمومي، كما يعكس التوجه نحو جعل البيئة والتنمية المستدامة محورًا أساسياً في تخطيط الدار البيضاء المستقبلي.
غير أن هذا المشروع، رغم تقدمه الميداني، ما يزال يثير نقاشًا واسعًا بين ساكنة المدينة، التي تنظر إليه بكثير من الأمل والحذر في آن واحد، بعد سلسلة طويلة من الوعود والتأجيلات التي رافقت تنفيذ المشروع منذ انطلاقه سنة 2014.
وقد تركز الجدل خلال الأشهر الأخيرة حول التسعيرة المقترحة لدخول الحديقة، والتي حُددت في 80 درهمًا للبالغين و50 درهمًا للأطفال، ما أثار موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
واعتبر عدد من النشطاء أن هذه التسعيرة “مبالغ فيها” وتتنافى مع فلسفة الفضاءات العمومية التي يفترض أن تكون متاحة لجميع الفئات، مطالبين بمراجعتها بما يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين.
في المقابل، يرى مؤيدون أن قيمة الدخول تظل “منطقية” بالنظر إلى حجم الاستثمار وجودة الخدمات والمرافق التي تقدمها الحديقة، مشيرين إلى أن الهدف هو ضمان استدامة المشروع والحفاظ على مستوى العناية بالحيوانات والمحيط البيئي.
وتراهن السلطات المحلية والمجلس الجماعي على أن يشكل افتتاح الحديقة نموذجًا جديدًا في تدبير المرافق الترفيهية بالمدينة، يقوم على الحكامة وجودة الخدمات وتنوع العرض الثقافي والبيئي.
كما يُنتظر أن ينعكس المشروع إيجابيًا على جاذبية الدار البيضاء السياحية، من خلال خلق فضاء يجمع بين المتعة والمعرفة، ويسهم في نشر الوعي البيئي لدى الناشئة.
ويأتي هذا الورش في سياق رؤية أوسع تروم إعادة تأهيل البنيات التحتية الترفيهية وتعزيز توازن المدينة بيئيًا واجتماعيًا، عبر إنشاء وتحديث مجموعة من الفضاءات العمومية التي تتيح للمواطنين حقهم في الولوج إلى بيئة نظيفة وآمنة.