قبل ساعة الحسم.. هل يطرد الركراكي عقدة كان 2004؟
قبل ساعة الحسم، يقف وليد الركراكي على أعتاب واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الكرة المغربية الحديثة، وهو يقود المنتخب الوطني نحو نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025، واضعًا نصب عينيه هدفًا يتجاوز التتويج القاري في حد ذاته، ليصل إلى فك عقدة تاريخية لازمت الكرة المغربية منذ نهائي سنة 2004، واستعادة لقب غاب عن خزائن المملكة لما يقارب نصف قرن.
ويدخل الناخب الوطني وليد الركراكي هذه المواجهة بثقة مشروعة، مدعومة بمسار تصاعدي للمنتخب، وبأرقام تعكس نضج مشروع كروي متكامل، وبطموح جماهيري غير مسبوق يتغذى من عامل الأرض والجمهور.
ويبحث المنتخب المغربي عن لقبه الإفريقي الثاني منذ التتويج الوحيد الذي تحقق سنة 1976، حين نجح في الظفر بالكأس القارية بعد مسار استثنائي توج بالفوز في المباراة الحاسمة أمام منتخب غينيا، ليبقى ذلك الإنجاز راسخًا في الذاكرة الجماعية لأجيال من المغاربة.
ومنذ ذلك التاريخ، توالت المشاركات دون أن يتمكن “أسود الأطلس” من اعتلاء منصة التتويج، رغم بلوغهم النهائي في مناسبة واحدة سنة 2004، حين خسروا اللقب أمام المنتخب التونسي بهدفين مقابل هدف، في سيناريو ما يزال حاضرًا بقوة في الذاكرة الكروية الوطنية.
ويجمع نهائي نسخة 2025، الذي يحتضنه ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط مساء الأحد في تمام الساعة الثامنة، بين منتخبين دخلا البطولة وهما من أبرز المرشحين للتتويج، المغرب والسنغال، في مواجهة تعكس منطق المنافسة الذي طبع النسخة الخامسة والثلاثين من المسابقة، حيث بلغت المباراة الختامية أفضل المنتخبات الإفريقية من حيث الاستقرار الفني والنتائج القارية والتصنيف الدولي، إذ يحتل المنتخب المغربي المركز الحادي عشر عالميًا، مقابل المركز التاسع عشر للمنتخب السنغالي.
وشق المنتخب المغربي طريقه إلى النهائي بثبات ملحوظ، مستفيدًا من خوض جميع مبارياته على أرضية ملعب مولاي عبد الله، وهو عامل عزز من انسجامه ومنح لاعبيه دفعة معنوية إضافية. استهل “أسود الأطلس” مشوارهم في دور المجموعات بانتصار مقنع على منتخب جزر القمر بهدفين دون رد، قبل أن يتعادلوا مع منتخب مالي بهدف لمثله في الجولة الثانية، ثم يعودوا بقوة في الجولة الثالثة بفوز عريض على زامبيا بثلاثة أهداف نظيفة، لينهِوا دور المجموعات في صدارة المجموعة الأولى برصيد سبع نقاط، مع تسجيل ستة أهداف وتلقي هدف واحد فقط.
في الدور ثمن النهائي، واجه المنتخب المغربي اختبارًا صعبًا أمام منتخب تنزانيا، وتمكن من تجاوزه بصعوبة بالغة بهدف دون مقابل، في مباراة عرفت توترًا كبيرًا في دقائقها الأخيرة، بعدما طالب المنتخب المنافس بركلة جزاء في الوقت بدل الضائع، وهو ما زاد من حدة الجدل التحكيمي، دون أن يؤثر ذلك على تأهل المغرب إلى الدور الموالي.
أما في ربع النهائي، فقد قدم المنتخب الوطني واحدة من أقوى مبارياته في البطولة، حين تفوق على منتخب الكاميرون بهدفين دون رد، مسجلا أول انتصار له تاريخيًا على “الأسود غير المروضة” في نهائيات كأس أمم إفريقيا.
وبلغ التحدي ذروته في الدور نصف النهائي أمام منتخب نيجيريا، في مباراة تكتيكية مغلقة انتهى وقتاها الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، قبل أن يحسمها المنتخب المغربي لصالحه بركلات الترجيح بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدفين، ليضمن بذلك ثالث ظهور له في نهائي البطولة القارية، بعد نسختي 1976 و2004، وليضع الجماهير المغربية على موعد جديد مع الحلم الإفريقي.
ما يمنح هذا النهائي طابعًا خاصًا هو التشابه اللافت بين المسار الرقمي للمنتخب المغربي في نسخة 2025 ومساره في نسخة 2004، إذ أنهى دور المجموعات في البطولتين برصيد سبع نقاط، محققًا انتصارين وتعادلًا واحدًا، مع تسجيل ستة أهداف واستقبال هدف وحيد، وهي أرقام تعيد إلى الأذهان مسار دورة تونس، التي شهدت تألقًا لافتًا للأسود قبل السقوط في المباراة النهائية.
في نسخة 2004، كان المنتخب المغربي قد تجاوز دور المجموعات متصدرًا، وأقصى الجزائر في ربع النهائي بثلاثة أهداف مقابل هدف بعد الوقت الإضافي، ثم اكتسح مالي برباعية نظيفة في نصف النهائي، قبل أن يخسر النهائي بصعوبة أمام تونس.
على الجانب الآخر، يدخل المنتخب السنغالي النهائي الرابع في تاريخه، بعد أعوام 2002 و2019 و2021، واضعًا نصب عينيه التتويج باللقب القاري الثاني بعد إنجاز نسخة 2021.
ويسعى “أسود التيرانغا” إلى تأكيد مكانتهم كقوة قارية ثابتة، في مواجهة منتخب مغربي متعطش لإنهاء انتظار دام قرابة خمسين عاما.
ورغم أن هذا النهائي يمثل أول مواجهة بين المنتخبين في تاريخ كأس أمم إفريقيا، فإن سجل اللقاءات المباشرة بينهما يبقى حافلًا، حيث تقابلا في 31 مباراة رسمية وودية، حقق خلالها المنتخب المغربي 18 انتصارًا، مقابل 6 انتصارات للسنغال، بينما انتهت 7 مباريات بالتعادل.
وتعكس هذه الأرقام أفضلية تاريخية واضحة لصالح “أسود الأطلس”، تعززت في السنوات الأخيرة، إذ فاز المغرب في أربع من آخر ست مواجهات جمعت المنتخبين، مقابل فوز واحد للسنغال، تحقق في مباراة ودية سنة 2012.
كما حملت مواجهات المنتخبين عبر التاريخ طابعًا حاسمًا في محطات مفصلية، خاصة في تصفيات كأس العالم، حيث تفوق المنتخب المغربي على السنغال في طريقه إلى أول مشاركة مونديالية سنة 1970، بعد مباراة فاصلة حسمت بهدفين دون رد في لاس بالماس، وكرر التفوق في تصفيات مونديال 1994.
في المقابل، تمكن المنتخب السنغالي من التفوق في تصفيات كأس العالم 2002، حين انتزع بطاقة التأهل بفارق الأهداف، بعد تساوي المنتخبين في رصيد 15 نقطة.
في هذا السياق، لا يبدو نهائي الرباط مجرد مباراة للتتويج بلقب قاري، بل لحظة فاصلة في مسار منتخب مغربي يقوده وليد الركراكي بعقلية مختلفة، تجمع بين الصرامة التكتيكية والواقعية الفنية والطموح المشروع.
وبين حلم استعادة المجد الغائب منذ 1976، ورغبة طي صفحة نهائي 2004، تتجه أنظار القارة الإفريقية إلى العاصمة المغربية، حيث سيكون الحسم عنوان ليلة كروية استثنائية، قد تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الكرة المغربية، أو تؤجل الحلم مرة أخرى.
