هدم بدون بدائل.. تسونامي الأسواق يثير جدلا سياسيا بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

19 يناير 2026 - 10:30
الخط :

تعيش مدينة الدار البيضاء، خلال الفترة الأخيرة، على وقع حالة من الجدل السياسي والاجتماعي المتصاعد، في أعقاب تسارع وتيرة عمليات هدم عدد من الأسواق الشعبية والمحلات التجارية، إلى جانب مبانٍ صنفتها السلطات ضمن فئة “الآيلة للسقوط”، في تدخلات عمرانية واسعة شملت مقاطعات وأحياء ذات كثافة سكانية وتجارية مرتفعة، وأفرزت في المقابل موجة قلق واحتقان في صفوف المتضررين.

وأمام هذا الوضع، دخل فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة الدار البيضاء، المصطف في صفوف المعارضة، على خط الملف، مطالبا بعقد اجتماع عاجل للجنة التعمير.

وحذر البيجيدي في مراسلته من تبعات اجتماعية وإنسانية خطيرة قد تمس استقرار آلاف الأسر التي تعتمد بشكل كلي على الأنشطة التجارية الصغيرة كمصدر وحيد للعيش. واعتبر الفريق أن وتيرة الهدم المتسارعة، في غياب رؤية واضحة للحلول البديلة، تنذر بتداعيات تتجاوز البعد العمراني إلى تهديد السلم الاجتماعي داخل العاصمة الاقتصادية.

كما عبر الفريق عن قلقه الشديد مما وصفه بالوضع الاجتماعي المأساوي الذي خلفته عمليات هدم أسواق حيوية، مشيرا إلى أن آلاف الحرفيين والتجار الصغار وجدوا أنفسهم فجأة خارج دورة النشاط الاقتصادي، دون ضمانات واضحة بشأن إعادة الإيواء أو التعويض. وانتقدت المراسلة ما اعتبرته غموضا يلف دواعي بعض قرارات الهدم، وغياب برامج مواكبة حقيقية لمعالجة آثارها، متسائلة عن مصير إعادة البناء وكيفيات تعويض المتضررين الذين حُرموا من مورد رزقهم.

ولم يقتصر النقاش على الأسواق والمحلات التجارية، بل امتد ليشمل تسريع وتيرة إخلاء وهدم عدد من المباني المصنفة آيلة للسقوط، حيث سجلت المعارضة وجود حالة من التشكيك لدى المواطنين والفاعلين المدنيين حول معايير التصنيف المعتمدة ومساطر الإفراغ المتبعة، في ظل مخاوف من غياب ضمانات كافية تحمي حقوق الساكنة المتضررة، وتراعي أوضاعها الاجتماعية والإنسانية.

واستحضر الفريق، في طلبه، الاختصاصات القانونية الأصيلة لجماعة الدار البيضاء في تدبير وتنظيم الأسواق، وكذا مسؤوليتها في ملفات المباني المهددة بالانهيار، معتبرا أن الدعوة إلى اجتماع لجنة التعمير تهدف إلى تفعيل الدور الرقابي للمجلس وفتح نقاش مؤسساتي مسؤول، يضع حدا لحالة الضبابية التي تحيط بهذه القرارات، ويقدم إجابات واضحة للتجار والساكنة الذين ينتظرون بدائل ملموسة تحفظ كرامتهم وحقوقهم.

وفي السياق ذاته، شهدت العاصمة الاقتصادية خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدا ملحوظا في عدد الشكايات الموجهة إلى مكتب والي جهة الدار البيضاء–سطات، على خلفية موجة هدم واسعة همّت أسواقا شعبية ومحلات تجارية بعدد من الأحياء.

ورغم أن هذه العمليات تندرج، بحسب السلطات، في إطار برامج لإعادة التأهيل الحضري وتنظيم المجال العام وتحرير الملك العمومي، إلا أن آثارها الاجتماعية خلقت حالة من الاحتقان المتزايد، بسبب غموض مساطر التعويض وغياب حلول بديلة تضمن استمرارية النشاط التجاري.

وأفادت معطيات توصلت بها الجريدة 24 بأن عددا من التجار والفعاليات المدنية والنقابية، إلى جانب منتخبين محليين، لجؤوا إلى مراسلة والي جهة الدارالبيضاء-سطات محمد امهيدية، مطالبين بتدخله العاجل لمعالجة ما وصفوه بوضعية اجتماعية صعبة، نتجت عن فقدان مئات الأسر لمصدر عيشها اليومي. وأكدت هذه الأطراف أن المقاربة المعتمدة، رغم طابعها التنظيمي، لم تُواكب بإجراءات اجتماعية كافية تراعي هشاشة الفئات المتضررة التي تعتمد كليا على التجارة الصغيرة.

وفي هذا الإطار، وجه مستشار جماعي عن حزب التقدم والاشتراكية مصطفى منظور رسالة رسمية إلى والي الجهة، عبّر فيها عن قلقه إزاء ما تعرض له عدد من التجار جراء هدم أسواق نموذجية بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، كانوا يزاولون بها أنشطتهم منذ سنوات طويلة.

وأوضح أن قرارات الهدم فاجأت المعنيين دون توفير بدائل مناسبة تضمن لهم الاستمرار في كسب قوتهم اليومي، ما أدى إلى تشريد عدد منهم، خاصة في ظل أوضاع اجتماعية صعبة يعانيها أغلب التجار.

وأشار المتحدث إلى أن بعض هذه الأسواق جرى تشييد ملاعب للقرب فوق نفس الوعاء العقاري، دون مراعاة كافية للآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن ذلك، مؤكدا أن تثمين المشاريع الرياضية والتنموية يظل أمرا إيجابيا، لكنه لا ينبغي أن يتم على حساب حقوق التجار والحرفيين.

ودعا إلى اعتماد مقاربة تشاركية تضع البعد الاجتماعي في صلب القرارات، وتضمن توفير بدائل حقيقية قبل الإقدام على أي عملية هدم، حفاظا على السلم الاجتماعي واحتراما للحق في الشغل.

وعلى المستوى الميداني، شهد حي درب الإنجليز عملية هدم طالت حوالي أربعين محلا تجاريا، في إطار تدخل يروم إعادة تأهيل المنطقة.

وبحسب معطيات متوفرة، تم إبلاغ التجار بأن حقوقهم ستظل محفوظة، وأنهم سيكونون مشمولين بإجراءات إعادة التوطين أو التعويض وفق الضوابط المعمول بها، وهو ما ساهم في تهدئة نسبية للأجواء في انتظار تفعيل هذه الالتزامات على أرض الواقع.

في المقابل، عاشت منطقة درب لوبيلا بمقاطعة سيدي بليوط وضعا أكثر توترا، بعد قرار الهدم، خاصة في ظل غياب توضيحات دقيقة بشأن مصيرهم بعد الإفراغ، ومعطيات تشير إلى عدم شمولهم بأي تعويض، خلافا لما جرى في عمليات سابقة.

وتعد هذه المنطقة من أكثر النقاط حركية وسط الدار البيضاء، وتشكل محلاتها الصغيرة مصدر عيش لعشرات الأسر منذ عقود، ما جعل القرار يثير مخاوف واسعة من تفاقم الأوضاع الاجتماعية، خصوصا لدى تجار يزاولون نشاطهم منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما ويعتمدون عليه كمورد رزق وحيد.

كما شرعت الجهات المختصة، يوم السبت الماضي، في تنفيذ قرار هدم سوق البحيرة وسط مدينة الدار البيضاء، بعد تصنيف السوق ضمن البنايات التي تشكل خطرا حقيقيا على مستغليها والمارة والسكان المجاورين، وهو ما أثار غضب التجار الذين أصبحوا في حافة التشرد بعد غياب البدائل لحد الآن.

ويرى متابعون للشأن المحلي أن غياب استراتيجية شاملة وواضحة لمعالجة ملف الأسواق المهدمة يسهم في تعميق فجوة الثقة بين التجار والجهات المسؤولة، ويبرز محدودية المقاربة المعتمدة في التوفيق بين متطلبات التأهيل الحضري وضمان الحقوق الاجتماعية للفئات المهنية الهشة.

وفي ظل هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى اتخاذ إجراءات استعجالية تقوم على توفير بدائل لائقة، واعتماد برامج تعويضية شفافة، وتسريع وتيرة التنفيذ، تفاديا لأي تصعيد اجتماعي محتمل قد تكون له انعكاسات أوسع على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعاصمة الاقتصادية.

آخر الأخبار