الأغلبية البرلمانية تقر بإمكانات الاقتصاد التضامني وتنتقد فجوة التنفيذ
في سياق النقاش العمومي المتواصل حول سبل تحقيق تنمية عادلة وشاملة، عاد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ليتصدر أجندة العمل البرلماني، باعتباره أحد المداخل الأساسية لخلق الثروة وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، في ظل إقرار واسع بإمكاناته الكبيرة، مقابل انتقادات صريحة للفجوة القائمة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني الذي تعيشه فئات واسعة من الفاعلين في هذا القطاع.
وخلال جلسة الأسئلة الشهرية الموجهة إلى رئيس الحكومة بمجلس النواب، عبّرت فرق الأغلبية سواء التجمع الوطني للأحرار أو الفريق الاستقلالي أو الأصالة والمعاصرة عن قناعتها بأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يشكل رافعة استراتيجية لتمكين الفئات الهشة، وإدماجها في اقتصاد منظم ومندمج إلى جانب القطاعين العام والخاص، بما ينسجم مع توجهات النموذج التنموي الجديد، ويهدف إلى الرفع من مساهمة هذا القطاع في الناتج الداخلي الخام في أفق تنموي مستدام يراعي البعد البيئي وحقوق الأجيال القادمة.
وفي هذا الإطار، اعتبر نواب الأغلبية في مداخلتهم أن السياسات العمومية المتبعة مكنت من إرساء أسس جديدة تقوم على الانتقال من منطق الدعم الاجتماعي الظرفي إلى منطق التمكين الاقتصادي وبناء المقاولة الاجتماعية، خصوصا لفائدة الشباب والنساء، عبر تثمين الخصوصيات المحلية والموارد المجالية، وتحويل الجهات من فضاءات انتظار إلى فضاءات إنتاج وخلق القيمة.
كما تم التنويه بالدور المتنامي للاقتصاد الاجتماعي والتضامني في مواكبة الدينامية التي يعرفها قطاع السياحة، في ظل التوافد السياحي القياسي الذي شهده المغرب خلال سنة 2025، وما يعكسه ذلك من فرص حقيقية لربط التنمية السياحية بالمنتجات والخدمات ذات الطابع التضامني والمجالي.
غير أن هذا التوجه التفاؤلي لم يمنع من تسجيل ملاحظات نقدية بشأن واقع القطاع، حيث أقرت مداخلات برلمانية بوجود اختلالات بنيوية تعيق تحقيق الأثر المنشود، على رأسها الصعوبات المالية التي تواجه نسبة مهمة من التعاونيات والمقاولات الاجتماعية، نتيجة محدودية الولوج إلى التمويل، وضعف التأطير والمواكبة، وغياب الضمانات الكفيلة بتعزيز استمرارية المشاريع.
وتم التأكيد على أن هذه الإكراهات تعكس محدودية نجاعة السياسات الحكومية المتعاقبة، رغم الخطاب الإيجابي الذي يحيط بهذا المجال.
وفي السياق ذاته، جدد نواب الأغلبية تأكيدهم بأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يساهم حاليا بنسبة متواضعة من الناتج الداخلي الخام، رغم أنه يضم عشرات الآلاف من التعاونيات والمقاولات الاجتماعية النشيطة، ويوفر مئات الآلاف من مناصب الشغل، من بينها نسبة مهمة لفائدة النساء، وهو ما يجعله قطاعا واعدا من حيث التمكين الاقتصادي للمرأة وإدماج الفئات الهشة، خاصة في الوسطين القروي والجَبَلي.
غير أن هذه المناطق، التي تحتضن شريحة واسعة من الساكنة، لا تزال تستفيد من حصة محدودة من المشاريع والدعم، ما يكرس الفوارق المجالية ويغذي الإحساس بعدم العدالة في توزيع ثمار التنمية.
وأكدت مداخلات برلمانية أن تجاوز منطق “المغرب الذي يسير بسرعتين” يظل رهينا بإرساء استراتيجية وطنية واضحة ومندمجة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، تقوم على دعم مستدام بدل البرامج الظرفية، وتستهدف تقليص الفوارق المجالية، وتحويل الإعانات المؤقتة إلى استثمارات اجتماعية منتجة، قادرة على خلق قيمة مضافة محلية وضمان استمرارية المشاريع.
كما تم التنبيه إلى محدودية ولوج المنتجات التضامنية إلى الأسواق الوطنية والدولية، في ظل بقاء جزء كبير منها محصورا في نطاق محلي ضيق، ما يحد من قدرتها التنافسية ومن إمكانات نموها.
وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على الدور المحوري للجماعات الترابية والجهات في النهوض بهذا القطاع، من خلال توفير العقار، وتعزيز التأطير التقني، وربط المشاريع بالأسواق، إلى جانب الاستثمار في التكوين وبناء القدرات، وإدماج الرقمنة كرافعة لتحسين الحكامة والنجاعة الاقتصادية.
كما تم التشديد على أهمية تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص، بما يضمن التكامل بين مختلف الفاعلين، ويساهم في نقل الخبرات وتوسيع آفاق التسويق.
وخلصت مختلف المداخلات إلى أن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يمثل فرصة حقيقية لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة، لارتباط عدد مهم من مشاريعه بحماية البيئة والاستعمال الرشيد للموارد الطبيعية، غير أن تفعيل هذا الرهان يظل مشروطا بإقرار إطار قانوني موحد، وترسيخ آليات شفافة للتتبع والتقييم والمساءلة، باعتبارها المعيار الحقيقي لنجاعة السياسات العمومية وقدرتها على الانتقال من منسوب الخطاب إلى مستوى الأثر الملموس في حياة المواطنين.