قبل انتخابات 2026.. تفعيل واسع لمسطرة العزل يهز المجالس الجماعية
في سياق سياسي يتسم بحساسية المرحلة ودقة الرهانات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تواصل مسطرة العزل حصد رؤوس منتخبين محليين بعدد من الجماعات الترابية، في مشهد يعكس تحولا لافتا في وتيرة تفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك قبل أقل من عام على موعد الانتخابات الجماعية لسنة 2026.
هذه الدينامية المتسارعة أعادت بقوة إلى الواجهة النقاش العمومي حول واقع الحكامة المحلية، وحدود التزام المنتخبين بالقوانين المنظمة للتدبير الترابي، ومدى استعداد الدولة للقطع مع مظاهر التسيب التي وسمت مراحل سابقة.
وخلال الأيام الأخيرة، برزت عمالة إقليم تطوان كنموذج واضح لهذا التوجه، بعدما باشرت إجراءات عزل مستشارين اثنين أنس اليملاحي وسارة العمراني من مجلس جماعة تطوان، إثر صدور أحكام قضائية نهائية في حقهما تقضي بعقوبات سالبة للحرية، وهو ما يضعهما تلقائيا في وضعية تنافٍ مع شروط ممارسة الانتداب الجماعي.
وقد تم تفعيل المسطرة القانونية المعمول بها، في احترام تام للمقتضيات التنظيمية، ما يعكس تشددا متزايدا في التعامل مع حالات الإخلال بالقانون داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي السياق نفسه، أصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بطنجة حكما نهائيا يقضي بعزل مستشار جماعة مرتيل محمد أشكور، مؤكدة صحة مقرر المجلس الجماعي القاضي بمعاينة إقالته بسبب غياباته المتكررة التي تجاوزت سبع دورات، في خرق صريح لمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات.
وجاء هذا الحكم ليحسم بشكل نهائي في النزاع القائم، بعد أن كانت الجماعة قد استأنفت الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الإدارية، والذي ألغى في مرحلة سابقة مقرر المعاينة.
امتداد هذه الموجة لم يقتصر على جهة الشمال، بل شمل كذلك الجنوب الشرقي للمملكة، حيث شهد مجلس جماعة ترناتة بإقليم زاكورة تطورات متلاحقة حملت دلالات سياسية قوية. فقد توصل رئيس المجلس باستقالتين رسميتين لعضوين منتخبين عن دائرتين انتخابيتين، ويتعلق الأمر بالمستشار حسن واتامغارت، عن دائرة ركاب النتل، والمستشار محمد أومحيدي.
وكانت المحكمة الإدارية بمراكش قد أصدرت خلال شهر يناير الماضي حكما قطعيا يقضي بتجريد خمسة مستشارين جماعيين من عضويتهم داخل مجلس جماعة ترناتة، وجميعهم ينتمون إلى حزب الاتحاد الاشتراكي.
وشمل منطوق الحكم إسقاط العضوية مع ترتيب كافة الآثار القانونية المترتبة عن ذلك، وتحميل الجهة المعنية مصاريف الدعوى، في قرار اعتُبر رسالة واضحة بشأن صرامة القضاء الإداري في تطبيق النصوص القانونية المؤطرة للعمل الانتدابي.
وفي عمالة إنزكان آيت ملول، باشر عامل العمالة محمد الزهر مسطرة العزل في حق ثمانية أعضاء جماعيين ينتمون إلى مجالس جماعات إنزكان وآيت ملول وأولاد دحو، على خلفية ثبوت وجودهم في وضعية تنازع المصالح.
وقد جرى إحالة الملفات على المحكمة الإدارية بأكادير، باعتبارها الجهة المختصة قانونا للبت فيها، في خطوة تندرج ضمن تفعيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، وتعكس تشديدا واضحا في مراقبة احترام قواعد النزاهة والشفافية داخل المجالس المنتخبة.
وتتقاطع هذه التطورات مع حالات عزل أخرى سُجلت خلال الأشهر الماضية بعدد من الأقاليم، من بينها برشيد وبوسكورة، ما يوحي بأن الأمر لم يعد يتعلق بحالات معزولة، بل بتوجه عام يروم إعادة ضبط المشهد المحلي وتنقيته من الممارسات المخالفة للقانون.
ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من الحزم في التعاطي مع ملفات المنتخبين، في محاولة لترسيخ نموذج تدبير يقوم على احترام القانون، ويعيد الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.