أزمة النقل والازدحام في رمضان.. اختبار حقيقي لصبر البيضاويين
مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول عملية التنقل في مدينة الدار البيضاء إلى اختبار يومي حقيقي لصبر المواطنين، في ظل ضغط غير مسبوق على سيارات الأجرة والحافلات، واختناق مروري يمتد لساعات طويلة قبل موعد الإفطار.
فبين طوابير الانتظار الممتدة في المحطات، والحافلات المكتظة عن آخرها، يجد آلاف العمال والطلبة والموظفين أنفسهم في سباق مع الزمن للوصول إلى منازلهم في ظروف تتسم بالتوتر والارتباك.
وتبلغ الأزمة ذروتها ابتداء من الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، حيث تعرف الشوارع الرئيسية والمحاور الكبرى حركة كثيفة تتداخل فيها المركبات الخاصة مع سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة والحافلات والدراجات النارية، ما يؤدي إلى بطء شديد في السير واختناقات مرورية متكررة.
ورغم المجهودات المبذولة لتنظيم حركة المرور، فإن الضغط المتزايد خلال هذا الشهر يكشف محدودية البنية الطرقية مقارنة بعدد العربات المتنامي سنة بعد أخرى.
في محطات سيارات الأجرة، حسب ما عاينته "الجريدة 24" في وسط المدينة تتكرر المشاهد مع كل بداية رمضان، مواطنون ينتظرون لفترات طويلة أملاً في الظفر بمقعد، وسائقون يفضل بعضهم الوجهات القريبة أو المسارات ذات المردودية الأعلى، فيما يظل المتجهون إلى الأحياء البعيدة عرضة للتأخير أو الرفض غير المعلن.
ويؤكد عدد من الركاب أن معاناتهم لا تقتصر على طول الانتظار، بل تشمل أيضاً الاكتظاظ داخل المركبات وغياب شروط الراحة والسلامة، خاصة في أوقات الذروة التي تسبق أذان المغرب.
أما الحافلات، فتتحول في كثير من الأحيان إلى فضاءات مكتظة يصعب فيها التحرك، حيث يتجاوز عدد الركاب الطاقة الاستيعابية بشكل واضح، ما يثير مخاوف مرتبطة بالسلامة وجودة الخدمة.
ويشير متتبعون للشأن المحلي إلى أن ارتفاع الطلب الموسمي خلال رمضان يكشف هشاشة منظومة النقل الحضري، سواء من حيث عدد العربات المتوفرة أو انتظام الرحلات واحترام الجداول الزمنية.
ولا تنفصل أزمة النقل العمومي عن مشكل الازدحام العام الذي يطبع المدينة، إذ يؤدي تزايد استعمال السيارات الخاصة إلى تفاقم الضغط على الطرقات، في غياب بدائل فعالة ومغرية.
وترى الجهات المنتخبة المصطفة في صفوف المعارضة على مستوى الدار البيضاء، أن غياب رؤية مندمجة تربط بين النقل الجماعي والتنظيم العمراني يفاقم من حدة الاختناقات، خصوصاً في مدينة تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً وتزايداً ديمغرافياً ملحوظاً.
وتعود إلى الواجهة، مع كل رمضان، مطالب تقنين خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية، باعتبارها خياراً بديلاً يمكن أن يخفف الضغط عن وسائل النقل التقليدية ويوفر مرونة أكبر للمواطنين.
غير أن هذا الطرح يواجه معارضة من مهنيي سيارات الأجرة الذين يعتبرون أن إدماج هذه الخدمات دون إصلاح شامل للقطاع قد يضر بمصالحهم ويزيد من تعقيد المشهد، في ظل إكراهات مهنية واقتصادية قائمة.
في المقابل، يؤكد فاعلون مدنيون أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بوجود تطبيقات ذكية من عدمه، بل بضرورة إصلاح عميق لمنظومة النقل الحضري، يشمل تحسين جودة الخدمات، وتوسيع الأسطول، وتعزيز آليات المراقبة، وتكريس مبدأ المساواة في الولوج إلى وسائل النقل دون تمييز بين الأحياء أو الوجهات.
وبين جدل الإصلاح والتقنين، تبقى معاناة المواطن هي الثابت الوحيد في معادلة تتكرر كل عام، حيث يتحول التنقل خلال شهر الصيام إلى عبء يومي يرهق الأسر ويؤثر على جودة الحياة داخل المدينة.
وفي انتظار حلول عملية ومستدامة، يظل رمضان مناسبة تكشف بوضوح الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في سياسات النقل الحضري، بما يضمن كرامة الركاب ويحفظ توازن القطاع ويستجيب للتحولات التي تعرفها المدينة.