تصاميم التهيئة تفجر جدلا جديدا بالدار البيضاء
عاد ملف تصاميم التهيئة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، بعدما فجّر مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي موجة واسعة من الجدل السياسي والمدني، أعادت طرح أسئلة قديمة حول منهجية إعداد وثائق التعمير وحدود المقاربة التشاركية المعتمدة في رسم مستقبل المجال الحضري للعاصمة الاقتصادية.
حالة الاحتقان التي رافقت مشاريع تصاميم التهيئة خلال السنة الماضية بعدد من المقاطعات لم تهدأ بعد، إذ سبق أن شهد المجلس الجماعي نقاشات حادة وملاسنات سياسية حول مضامين بعض التصاميم، خاصة في الفداء مرس السلطان والمعاريف وغيرها، بسبب ما اعتبره منتخبون وفعاليات محلية اختلالات تقنية وعدم انسجام بعض المقترحات مع الخصوصيات الاجتماعية والعمرانية للأحياء المعنية.
وسبق أن أعلنت جماعة الدار البيضاء عن إيداع مشروع تصميم التهيئة الخاص بالمجال الترابي للحي المحمدي وفتح باب إبداء الملاحظات والاقتراحات أمام العموم، في إطار المسطرة القانونية المنظمة لإعداد وثائق التعمير.
وتم وضع الوثائق رهن إشارة المواطنين بمقر الجماعة عبر الشباك الوحيد للتعمير، إضافة إلى مقر المقاطعة، مع تخصيص سجلين لتدوين الملاحظات خلال فترة تمتد شهرا كاملا، بما يتيح للساكنة والفاعلين المحليين الاطلاع على مضامين المشروع وإبداء آرائهم بشأنه.
غير أن هذه الخطوة، التي تقدمها الجماعة باعتبارها تجسيدا لمبدأ المشاركة، لم تمنع بروز انتقادات من طرف عدد من السكان وفعاليات المجتمع المدني، الذين اعتبروا أن المقاربة التواصلية ظلت محدودة ولم ترق إلى مستوى إشراك فعلي وواسع للساكنة.
ويرى هؤلاء أن الاكتفاء بالإجراءات القانونية الشكلية لا يضمن بالضرورة وصول المعلومة إلى جميع الفئات، خصوصا في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث يظل الوعي بمساطر التعمير ضعيفا لدى شريحة مهمة من المواطنين.
وفي هذا السياق، طالبت فعاليات مدنية باعتماد وسائل تواصل أكثر انفتاحا، من قبيل تنظيم لقاءات تفسيرية مفتوحة ونشر محتويات مبسطة حول المشروع عبر الوسائط الرقمية، معتبرة أن تصميم التهيئة لا يتعلق فقط بتنظيم البنايات والطرق، بل يمس بشكل مباشر مستقبل الأسر واستثماراتها وذاكرة الأحياء. كما شددت على ضرورة ضمان الحق في المعلومة باعتباره مدخلا أساسيا لتعزيز الثقة بين المؤسسات والساكنة.
ويأتي هذا الجدل في وقت عقد فيه مكتب مجلس مقاطعة الحي المحمدي اجتماعا خصص لدراسة المشروع الجديد بعد إيداعه للبحث العمومي، بحضور رئيس المجلس يوسف الرخيص وأعضاء المكتب إلى جانب أطر إدارية وتقنية من مصلحة التعمير والممتلكات.
واستمع الحاضرون خلال الاجتماع إلى عرض تقني قدمته مهندسة معمارية حول مستجدات المشروع وتوجهاته الأساسية، قبل أن تفتح المناقشة أمام تدخلات النواب الذين عبروا عن جملة من الملاحظات المرتبطة بالجوانب التقنية والتنظيمية، خاصة بمنطقة درب مولاي الشريف، حيث ينتظر عدد من الملاك إمكانية البناء وفق مواصفات محينة تتلاءم مع مقتضيات قانون التعمير.
وتم الاتفاق على إحالة المشروع على لجنة التعمير والبيئة قصد تعميق دراسته وإبداء الرأي بشأنه قبل استكمال باقي المساطر.
في المقابل، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي مواقف متباينة حول المشروع، إذ اتهمت بعض الفعاليات المدنية التصميم بكونه مقدمة لما وصفته بـ“تهجير ناعم” أو إعادة تشكيل عمراني قد يغير هوية الحي، وهو ما رد عليه منتخبون محليون بالتأكيد أن هذه القراءات تتسم بالمبالغة وتختزل مسطرة قانونية معقدة في خطاب صادم يثير مخاوف السكان دون معطيات دقيقة.
وفي قلب النقاش الدائر، حسب مصادر الجريدة 24، فقد برزت قضية الرمز التخطيطي المعروف بـ“قطاع التجديد الحضري”، الذي أثار تساؤلات واسعة لدى سكان بعض الأحياء، خاصة بمنطقة درب مولاي الشريف، بعد إدراجه ضمن المشروع.
ووفقا للمصادر ذاتها، فإن الغموض المرتبط بمآل هذا التصنيف وضع الملاك في وضعية قانونية معلقة، حيث تتعطل عمليات البناء أو الإصلاح أو حتى البيع في انتظار وضوح الرؤية النهائية، ما يزيد من القلق الاجتماعي والاقتصادي.
ووفقا لذات المصادر، يرتبط هذا التوجه بمشاريع تجديد حضري تشرف عليها مؤسسات وطنية متخصصة، تروم تحويل بعض المناطق إلى مشاريع نموذجية لإعادة التأهيل العمراني، وهو ما يراه مسؤولون فرصة لتحسين جودة العيش ومعالجة اختلالات تراكمت لعقود.
غير أن فعاليات مدنية تؤكد أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يظل مرتبطا بضمانات واضحة للساكنة، سواء تعلق الأمر بالتعويض أو إعادة الإسكان أو الحفاظ على الروابط الاجتماعية داخل الأحياء التاريخية.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان النقاش الأوسع حول مستقبل التخطيط الحضري بالعاصمة الاقتصادية، في ظل ضغط ديمغرافي متزايد وحاجة ملحة لتحديث البنيات التحتية وتنظيم استعمالات الأراضي.