قرارات الهدم تتصاعد بسيدي بليوط.. وإشعارات الإخلاء تفجر جدلا سياسيا
في خضم التحولات العمرانية المتسارعة التي تشهدها الدار البيضاء، تفجر خلال الأسابيع الأخيرة جدل سياسي واجتماعي واسع على خلفية عمليات هدم وإخلاء طالت منازل ومحلات تجارية وأسواقاً شعبية، لا سيما بالمدينة العتيقة على مستوى مقاطعة سيدي بليوط، في سياق أعاد إلى الواجهة إشكالية التوازن بين متطلبات التأهيل الحضري وتحرير الملك العمومي من جهة، وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفئات الهشة من جهة أخرى، بالنظر إلى الثقل الديمغرافي والاقتصادي للعاصمة الاقتصادية ودورها المحوري في الدورة الوطنية.
وبينما بررت الجهات المسؤولة سواء داخل جماعة الدار البيضاء أو مقاطعة سيدي بليوط، هذه العمليات بضرورات تتعلق بالسلامة العامة وإزالة المباني الآيلة للسقوط وإعادة تنظيم الفضاءات التجارية وتحسين جاذبية المدينة، عبّر عدد من المتضررين، من أسر وتجار وحرفيين، عن استيائهم مما وصفوه بغياب إشعار كافٍ وبدائل عملية تضمن استمرارية أنشطتهم وتحفظ كرامتهم، معتبرين أن وتيرة التدخلات وتسلسلها الزمني لم يراعيا الهشاشة الاجتماعية لبعض الفئات، وهو ما أسهم في تصاعد منسوب الاحتقان.
الجدل لم يبق محصوراً في الشارع، بل انتقل إلى المؤسسات المنتخبة، حيث صعّدت المعارضة بمجلس جماعة الدار البيضاء من لهجتها تجاه المكتب المسير، متهمة إياه بسوء تدبير ملف الهدم وغياب رؤية واضحة لمعالجة تداعياته.
وفي ندوة صحافية عقدها فريق العدالة والتنمية بالمقر الجهوي للحزب، مؤخرا وجه رئيس الفريق عبد الصمد حيكر انتقادات حادة إلى المجلس الجماعي الحالي برئاسة نبيلة الرميلي، معتبراً أن بعض قرارات الهدم يتم التوقيع عليها “تحت الطلب”، في إشارة إلى ما وصفه بطريقة تدبير هذا الملف الحساس.
وأوضح حيكر أن فريقه تقدم بطلب رسمي لإدراج نقطة تتعلق بعمليات الهدم ضمن جدول أعمال الدورة العادية لشهر فبراير، غير أن رئاسة المجلس رفضت الطلب بدعوى وروده خارج الآجال القانونية المحددة.
واعتبر المتحدث هذا التبرير غير مقنع، متحدثاً عن ازدواجية في تطبيق المساطر، ومشيراً إلى أن إدراج بعض النقط يتم أحياناً بطلب من السلطات الولائية دون التقيد الصارم بالآجال نفسها، على حد تعبيره.
كما أشار إلى أن غياب قاعدة بيانات دقيقة حول المباني والأسواق المعنية حال دون عقد لجنة التعمير لمناقشة الملف بشكل معمق داخل المجلس، محذراً من أن استمرار الوضع على حاله قد يفرز توترات يصعب احتواؤها، خاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء، معتبراً أن بعض المتضررين باتوا على حافة التشرد.
وعلى مستوى مقاطعة سيدي بليوط، طالب أعضاء المعارضة خلال جلسات المقاطعة رئيسة المجلس كنزة شرايبي بمواكبة المتضررين من قرارات الهدم وإيجاد صيغ تضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، في ظل تزايد الشكاوى المرتبطة بالإخلاء وفقدان مصادر الرزق.
الملف بلغ أيضا قبة البرلمان، حيث وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن “فدرالية اليسار الديمقراطي”، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حول إشعارات الإخلاء وهدم عقارات بالمدينة العتيقة لمقاطعة سيدي بليوط خارج المساطر القانونية.
وأكدت النائبة البرلمانية، في معرض سؤالها أن المعطيات المتداولة تفيد بتوجيه إشعارات بالإخلاء إلى عدد من السكان من طرف قائد المنطقة دون الاستناد إلى حكم قضائي نهائي، والاكتفاء بقرار جماعي مؤقت، مع الاعتماد على تقارير خبرة لم يُنجز بعضها وفق الضوابط المتعارف عليها، بحسب ما ورد في السؤال.
وأضافت التامني أن عمليات الإخلاء ترافقها أحيانا، إلى جانب ممثلي السلطة، أشخاص يُشتبه في انتحال بعضهم صفة أعوان سلطة، حيث تم تسجيل، قيام البعض بأعمال تحريضية وممارسات تضييقية ضد السكان وأعضاء التنسيقيات الذين يمارسون حقهم في الدفاع عن ملف المدينة العتيقة بوسائل مشروعة، بل إن أحدهم صرّح بكونه “مرسلاً من طرف السلطة”.
وفي السياق نفسه، ذكرت أن رئيسة المقاطعة رفضت إلغاء قرارات هدم وُصفت بالجائرة، رغم توفر بعض العقارات على خبرات فنية قضائية تفيد بسلامتها الإنشائية.
وأمام خطورة هذه الادعاءات وما تمس به من ضمانات دستورية تتعلق بحماية الملكية الخاصة وصون الحق في السكن وربط المسؤولية بالمحاسبة، تساءلت النائبة البرلمانية عن الأساس القانوني لاعتماد إشعارات بالإخلاء دون سند قضائي نهائي، والاكتفاء بقرار جماعي مؤقت، وعن مدى صحة المعطيات المرتبطة بالاعتماد على خبرات غير مستوفية لشروط المعاينة الميدانية، وما إذا تم فتح تحقيق إداري للتثبت من سلامة المساطر.
كما استفسرت عن الإجراءات المتخذة للتحقق من ادعاءات انتحال صفة أعوان سلطة ومواكبة عمليات الإخلاء بأشخاص من ذوي السوابق، وعن التدابير المستعجلة التي تعتزم وزارة الداخلية اتخاذها لضمان احترام المساطر القانونية ووقف أي تعسف محتمل، وحماية الساكنة من كل أشكال الترهيب أو التضييق.