الإحسان العمومي في رمضان بين روح التضامن ومخاوف سوء الاستغلال

الكاتب : انس شريد

26 فبراير 2026 - 09:30
الخط :

مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجدد في المغرب دينامية التضامن الاجتماعي في أبهى صورها، حيث تتكاثر المبادرات الرامية إلى جمع التبرعات واقتناء القفف الغذائية وتوزيعها على الأسر في وضعية هشاشة.

غير أن هذا الزخم الإنساني، الذي يعكس روح التكافل المتجذرة في المجتمع المغربي، يوازيه في المقابل نقاش متصاعد حول مدى تقيد بعض حملات التبرع بالمقتضيات القانونية المؤطرة للإحسان العمومي، وحول المخاطر المرتبطة بجمع أموال عبر حسابات شخصية خارج أي رقابة مؤسساتية واضحة.

وحذرت فعاليات جمعوية منذ بداية هذا الشهر الفضيل من ما وصفته بـ”تحركات رائجة” مع انطلاق الشهر الفضيل، يتولى أصحابها جمع تبرعات بدعوى اقتناء مساعدات غذائية لفائدة المحتاجين، مع نشر أرقام حسابات بنكية شخصية لتلقي الأموال.

واعتبرت هذه الهيئات أن مثل هذه المبادرات، رغم ما قد تحمله من نوايا تضامنية صادقة، تطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالشفافية وحماية أموال المتبرعين وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه في ظروف واضحة ومسؤولة، بعيداً عن أي لبس أو استغلال.

وشددت هذه الفعاليات على أن المشرع المغربي وضع إطاراً قانونياً صارماً يؤطر عمليات جمع التبرعات وتوزيعها، بما يضمن الحكامة المالية والإدارية ويحفظ ثقة المواطنين في العمل الخيري.

وأكدت أن أي حملة لجمع الإحسان العمومي تظل ملزمة باحترام المساطر القانونية المعمول بها، سواء تعلق الأمر بالحصول على التراخيص الضرورية أو بالإفصاح عن طرق صرف الأموال ومجالات توجيهها، تفادياً لأي تجاوزات محتملة قد تسيء إلى صورة التضامن المجتمعي.

وفي السياق ذاته، نبهت جمعيات مدنية إلى تنامي عمليات جمع التبرعات غير المؤطرة، سواء على أرض الواقع أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، مبرزة أن بعض الأفراد احترفوا استثمار المناسبات الدينية والإنسانية لاستدرار تعاطف المواطنين وجمع أموال باسم فعل الخير، رغم وجود متابعات قضائية سابقة في حق متورطين في قضايا نصب واحتيال تحت غطاء العمل الإحساني.

وترى هذه الجمعيات أن التساهل مع مثل هذه الممارسات من شأنه أن يزعزع ثقة المتبرعين ويضر بالمبادرات الجادة التي تلتزم بالقانون وتشتغل في إطار مؤسساتي منظم.

النقاش لم يبق محصوراً في الأوساط الجمعوية، بل انتقل إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجهت النائبة البرلمانية حنان أتركين، عضو فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، سؤالاً شفوياً إلى وزير الداخلية بشأن ضبط عمليات جمع التبرعات خلال شهر رمضان، خاصة تلك التي تتم خارج الإطار القانوني المنظم للإحسان العمومي.

وأبرزت في سؤالها أن الساحة الوطنية تعرف، تزامناً مع حلول الشهر الفضيل، تزايداً ملحوظاً في المبادرات الرامية إلى جمع التبرعات لفائدة أسر معوزة، سواء عبر حملات ميدانية أو من خلال دعوات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن بعض هذه المبادرات يتم عبر إيداع التبرعات في حسابات شخصية أو بطرق لا تخضع للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، ما يثير تساؤلات حول مدى احترام الضوابط المنظمة لهذا المجال، وحول آليات ضمان الشفافية وحماية المتبرعين والمستفيدين على حد سواء.

كما تساءلت عن التدابير المعتمدة من قبل وزارة الداخلية لمراقبة هذه العمليات، وعن الإجراءات المرتقبة لتعزيز التأطير القانوني وضمان عدم استغلال أموال المحسنين أو سوء تدبيرها.

ويأتي هذا الحراك البرلماني في سياق دعوات متنامية إلى تشديد المراقبة على حملات جمع التبرعات غير المرخصة، لا سيما مع الإقبال الكبير الذي يشهده شهر رمضان على أعمال البر والإحسان.

كما سبق لأحزاب سياسية، خاصة من المعارضة، أن طالبت باتخاذ تدابير إجرائية وزجرية عاجلة لمنع استغلال الإحسان العمومي لأغراض انتخابية أو لكسب تعاطف ظرفي، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات سياسية مرتقبة.

وبين الحاجة إلى تشجيع المبادرات التضامنية التي تعكس حيوية المجتمع وروح التكافل، وضرورة صون أموال المتبرعين وضمان توجيهها بشفافية إلى مستحقيها، يظل التحدي المطروح هو إيجاد توازن دقيق بين حرية المبادرة والعمل الخيري من جهة، وصرامة التقنين والمراقبة من جهة أخرى.

آخر الأخبار