بعد تراجع المنخرطين.. هل تعثر رهان المقاول الذاتي في محاربة القطاع غير المهيكل؟
يشهد نظام “المقاول الذاتي” في المغرب عودة قوية إلى دائرة النقاش المؤسساتي والبرلماني، في ظل مؤشرات حديثة تفيد بتراجع عدد المنخرطين فيه خلال الفترة الأخيرة، وهو ما أثار تساؤلات جديدة حول فعالية هذا الورش الاقتصادي والاجتماعي الذي أطلقته المملكة بهدف دعم المبادرة الفردية وإدماج الأنشطة غير المهيكلة في الاقتصاد المنظم.
وتشير المعطيات المتداولة خلال الأشهر الأخيرة إلى انسحاب ما يزيد على 170 ألف منخرط من هذا النظام في أقل من سنة، وهو رقم أعاد فتح النقاش حول مدى قدرة الإطار القانوني والتنظيمي المعتمد حالياً على الاستجابة لتطلعات المستفيدين، ومدى ملاءمة الآليات الجبائية والإدارية لضمان استمرارية هذا النموذج المقاولاتي.
وهو معطى دفع عددا من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين إلى الدعوة لإعادة تقييم المنظومة المعتمدة في تدبير هذا النظام، والبحث عن سبل كفيلة باستعادة جاذبيته وضمان استمراريته كورقة لتقليص معضلة القطاع غير المهيكل.
وفي هذا الإطار، انتقل النقاش إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجهت النائبة البرلمانية ثورية عفيف، عن حزب العدالة والتنمية، سؤالاً شفهياً إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، مطالبة بالكشف عن الأسباب التي تقف وراء انسحاب ما يزيد على 170 ألف منخرط من هذا النظام في أقل من سنة.
وشددت النائبة البرلمانية على ضرورة توضيح الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتحسين جاذبية نظام المقاول الذاتي، خاصة من خلال تبسيط المساطر الإدارية وتعزيز برامج المواكبة والتكوين والتمويل والتسويق لفائدة المستفيدين، بما يساهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة لتطوير المشاريع الصغيرة وضمان استمراريتها.
كما دعت إلى دراسة إمكانية مراجعة السقف الضريبي المعتمد حالياً، إلى جانب تطوير منظومة الحماية الاجتماعية المرتبطة بالمقاولين الذاتيين، بما من شأنه الحد من ظاهرة الانسحاب المتزايد وتشجيع المنخرطين على الاستمرار في ممارسة أنشطتهم داخل هذا الإطار القانوني.
وكان وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري قد قدم في وقت سابق معطيات أولية حول الخطوات التي باشرتها الوزارة لمواكبة هذا الورش، مشيراً إلى تنظيم سلسلة من اللقاءات مع مختلف المتدخلين المعنيين بنظام المقاول الذاتي، بهدف تقييم حصيلة السنوات الماضية والبحث عن آفاق تطويره بما ينسجم مع التوجهات التي تضمنها البرنامج الحكومي.
وأوضح المسؤول الحكومي أن هذه المشاورات أفضت إلى إعداد تشخيص أولي للعوامل التي تقف وراء تراجع عدد المنخرطين في النظام، حيث تم رصد مجموعة من الإكراهات التي تؤثر في جاذبيته، من بينها محدودية التواصل حول الامتيازات التي يوفرها، وبطء بعض المساطر الإدارية، إضافة إلى ضعف آليات المواكبة المستمرة للمستفيدين بعد تسجيلهم في النظام.
كما كشف التشخيص ذاته عن وجود تحديات أخرى ترتبط ببعض الالتزامات والاشتراكات المفروضة على المقاولين الذاتيين، فضلاً عن اختلالات تقنية سجلت على مستوى النظام المعلوماتي المعتمد في تدبير ملفات المنخرطين، وهي عوامل يرى متتبعون أنها ساهمت في دفع عدد من المسجلين إلى مغادرة هذا الإطار والبحث عن صيغ أخرى لمزاولة أنشطتهم المهنية.
وفي معطيات قدمها الوزير في جواب كتابي سابق، بلغ العدد الإجمالي للمقاولين الذاتيين النشطين، وفق أحدث الأرقام المتوفرة، حوالي 267 ألفاً و402 مقاول ذاتي، من بينهم نحو 37 ألفاً و400 مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما يعكس استمرار إقبال شريحة من المهنيين على هذا النظام رغم الإكراهات المطروحة.
وفي ظل الأرقام التي تعكس حجم الانسحاب من النظام، مقابل المساعي الحكومية لإعادة تقييمه، تبدو تجربة المقاول الذاتي في المغرب أمام مرحلة مفصلية تتطلب مراجعات عميقة لضمان استمراريتها وتعزيز دورها في دعم التشغيل الذاتي وتنشيط الاقتصاد الوطني، خاصة في سياق اقتصادي واجتماعي يتسم بتزايد الحاجة إلى حلول مبتكرة لخلق فرص الشغل وتحفيز المبادرة الفردية.