نقل أسواق الجملة خارج الدار البيضاء يفتح نقاشا حول الأسعار ومخاطر قطع الأرزاق

الكاتب : انس شريد

10 مارس 2026 - 10:30
الخط :

تتجه مدينة الدار البيضاء نحو إطلاق واحد من أكبر الأوراش الهيكلية المرتبطة بتنظيم قطاع التسويق الغذائي، من خلال مشروع طموح يروم إعادة هيكلة أسواق الجملة الخاصة بالخضر والفواكه واللحوم والأسماك، عبر نقلها إلى منصة تجارية ولوجستيكية حديثة خارج المدار الحضري للعاصمة الاقتصادية.

ويأتي هذا المشروع في سياق رؤية استراتيجية تروم تحديث منظومة توزيع وتسويق المنتجات الغذائية، بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والعمرانية التي تعرفها المدينة، ويعزز مكانتها كقطب اقتصادي رئيسي على الصعيد الوطني.

ويُرتقب أن يتم إنجاز المنصة الجديدة بمنطقة حد السوالم التابعة لإقليم برشيد، على بعد نحو ثلاثين كيلومترا من مركز الدار البيضاء، في إطار مشروع ضخم تقدر كلفته الإجمالية بحوالي 1.5 مليار درهم.

ويجري تنفيذ هذا الورش بشراكة بين جماعة الدار البيضاء ومجلس جهة الدار البيضاء-سطات ووزارة الداخلية وجماعة حد السوالم، مع تحديد منتصف سنة 2027 كأفق زمني لدخول المنصة الجديدة حيز الخدمة.

ويهدف المشروع إلى إحداث فضاء متكامل لتسويق المنتجات الفلاحية والبحرية والغذائية، يضم أسواقا متخصصة ومرافق لوجستيكية متطورة تستجيب للمعايير الصحية والبيئية الحديثة. كما يتوخى تحسين شروط التخزين والنقل والتوزيع، وتعزيز مراقبة جودة المنتجات، فضلا عن إرساء منظومة حديثة لتتبع مسار السلع من مصادر إنتاجها إلى غاية وصولها إلى المستهلك.

ويرى القائمون على المشروع أن نقل أسواق الجملة خارج النسيج الحضري للدار البيضاء سيتيح تجاوز مجموعة من الإكراهات التي تعاني منها الأسواق الحالية، والتي باتت تعاني ضغطا كبيرا نتيجة التوسع العمراني وارتفاع حجم المبادلات التجارية.

كما أن هذه الخطوة من شأنها الحد من مظاهر الفوضى والاكتظاظ التي طالما طبعت نشاط هذه الأسواق، وتوفير فضاءات تجارية أكثر تنظيما ونجاعة، بما يعزز سلامة المنتجات الغذائية ويحسن ظروف اشتغال المهنيين.

ومن المرتقب أن تضم المنصة الجديدة عدة مكونات تشمل أسواقا متخصصة في الخضر والفواكه واللحوم والأسماك، إضافة إلى مستودعات تبريد ومرافق للتخزين والتلفيف، ومختبرات لمراقبة الجودة والسلامة الصحية، إلى جانب فضاءات مخصصة لشركات النقل والتوزيع والخدمات اللوجستيكية المرتبطة بسلسلة التسويق الغذائي. كما يُرتقب أن تسهم هذه البنية الحديثة في تعزيز جاذبية الجهة للاستثمارات المرتبطة بالقطاع الفلاحي والغذائي.

غير أن هذا المشروع الطموح أثار في المقابل نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والتجارية، خاصة في ظل التخوفات التي عبر عنها عدد من التجار والمهنيين بشأن تداعيات نقل الأنشطة إلى موقع يبعد عشرات الكيلومترات عن المدينة.

ويخشى هؤلاء من أن يؤدي هذا التحول إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات على أسعار المنتجات الغذائية وعلى القدرة الشرائية للمستهلكين.

كما يثير بعض الفاعلين في القطاع تساؤلات حول الكيفية التي سيتم بها تدبير عملية الترحيل، وآليات توزيع الفضاءات داخل المنصة الجديدة، فضلا عن الضمانات المتعلقة بالحفاظ على مصالح التجار والمهنيين الذين ظلوا يزاولون نشاطهم في أسواق الجملة الحالية لسنوات طويلة.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الأسواق تشكل شريانا اقتصاديا حيويا يوفر مصدر رزق لآلاف الأسر، سواء من التجار أو العمال أو الفئات الهشة المرتبطة بأنشطة البيع والتوزيع والنقل.

وفي هذا السياق، تصاعدت مطالب عدد من المهنيين بضرورة إشراكهم في مختلف مراحل تنزيل المشروع، والعمل على إيجاد حلول عملية تضمن استمرارية أنشطتهم في ظروف ملائمة، مع مراعاة البعد الاجتماعي لهذه الفئة التي تعتمد بشكل كبير على هذه الأسواق في تأمين دخلها اليومي.

وقد امتد النقاش حول المشروع إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجه النائب البرلماني محمد الحدادي سؤالين كتابيين إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البراوي استفسر من خلالهما عن التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لضمان حماية حقوق ومكتسبات العاملين والمهنيين المرتبطين بأسواق الجملة للخضر والفواكه، وكذلك العاملين بسوق الجملة للمنتجات البحرية.

وأشار النائب البرلماني إلى أن نقل هذه الأسواق إلى منطقة حد السوالم يثير تخوفات واسعة لدى المهنيين والعمال، خاصة في ما يتعلق بالحفاظ على مصادر رزقهم وضمان استمرار أنشطتهم في ظل التحولات المرتقبة.

كما لفت إلى الانعكاسات المحتملة لهذا القرار على الفئات الهشة من الباعة الصغار الذين يعتمدون على هذه الأسواق لتوفير حاجياتهم اليومية بأسعار مناسبة، والذين قد يجدون صعوبة في التنقل لمسافات طويلة لمواصلة نشاطهم.

وطالب الحدادي بالكشف عن الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لضمان انتقال سلس نحو المنصة الجديدة، مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية داخل القطاع، وضمان عدم تضرر المهنيين واليد العاملة التي ظلت تنشط في هذه الأسواق لسنوات طويلة.

في المقابل، أكدت عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، مرارا أن المشروع يندرج ضمن رؤية شاملة تروم تحديث البنية التجارية واللوجستيكية للعاصمة الاقتصادية، وتحويل الدار البيضاء إلى قطب حضري واقتصادي حديث يستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة.

كما شددت على أن عملية الترحيل ستتم بشكل تدريجي ومدروس، مع مراعاة مصالح مختلف المتدخلين في القطاع.

ويراهن المجلس الجماعي للدار البيضاء على أن يشكل هذا الورش نقطة تحول في تدبير أسواق الجملة، من خلال الانتقال من نموذج تقليدي يعاني عدة اختلالات إلى منظومة عصرية تقوم على التنظيم والشفافية والنجاعة الاقتصادية.

غير أن نجاح هذا المشروع يظل رهينا بمدى القدرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التحديث الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي لفئات واسعة من المهنيين والعاملين الذين يشكلون العمود الفقري لهذا النشاط الحيوي.

آخر الأخبار