هل تخلت الحكومة عن "مدخول الكرامة" بعد اقتراب نهاية ولايتها؟

الكاتب : انس شريد

11 مارس 2026 - 08:30
الخط :

عاد ملف “مدخول الكرامة” إلى واجهة النقاش السياسي والاجتماعي في المغرب مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، بعدما أثارت تأخرات تنزيل هذا الالتزام تساؤلات متزايدة داخل الأوساط البرلمانية والحقوقية بشأن مصير أحد أبرز الوعود الاجتماعية التي تضمنها البرنامج الحكومي لفائدة كبار السن الذين يعيشون أوضاع هشاشة.

وكان البرنامج الحكومي قد تضمن التزاماً بإحداث “مدخول الكرامة” لفائدة الأشخاص البالغين 65 سنة فما فوق، خصوصاً الذين لا يتوفرون على معاش أو مصدر دخل قار، وذلك بهدف ضمان حد أدنى من الدخل يمكنهم من العيش بكرامة.

وينص هذا الالتزام على توفير دعم شهري لا يقل عن 1000 درهم بحلول سنة 2026، على أن يتم تمويله من صندوق التماسك الاجتماعي في إطار السياسات العمومية الرامية إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وتوسيع شبكة الدعم للفئات الهشة.

 

غير أن دخول سنة 2026 لم يقترن، إلى حدود الساعة، بإطلاق هذا البرنامج بالصيغ التي أعلن عنها سابقاً، الأمر الذي دفع عدداً من الأصوات البرلمانية، خصوصاً من صفوف المعارضة، إلى مطالبة الحكومة بتوضيحات بشأن مآل هذا التعهد الاجتماعي، وما إذا كانت السلطة التنفيذية ما تزال متمسكة بتنفيذه وفق الصيغة الأصلية التي وردت في البرنامج الحكومي.

وفي هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية عن حزب الحركة الشعبية، سكينة لحموش، سؤالاً كتابياً إلى الحكومة حول مصير “مدخول الكرامة”، معتبرة أن الالتزام الحكومي كان واضحاً في ما يتعلق بإحداث هذا النظام لفائدة الأشخاص الذين تجاوزوا سن 65 سنة، خاصة أولئك الذين لا يتوفرون على معاش تقاعدي أو دخل قار.

وأشارت إلى أن الهدف من هذا الإجراء كان يتمثل في ضمان حد أدنى من الدخل لا يقل عن 1000 درهم شهرياً لفائدة هذه الفئة بحلول سنة 2026.

وأكدت النائبة البرلمانية أن الواقع الحالي يظهر أن عدداً من كبار السن الذين يعيشون أوضاع هشاشة اجتماعية واقتصادية يستفيدون حالياً من نظام الدعم الاجتماعي المباشر في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية، غير أن قيمة هذا الدعم لا تتجاوز بالنسبة لأغلب المستفيدين مبلغ 500 درهم شهرياً، وهو مبلغ ترى أنه لا يرقى إلى مستوى الالتزام المعلن بخصوص “مدخول الكرامة”، ولا يستجيب للحاجيات المتزايدة لهذه الفئة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وطالبت النائبة البرلمانية الحكومة بتوضيح ما إذا كانت تعتزم تنزيل هذا البرنامج وفق الصيغة التي تم التعهد بها سابقاً، أم أن هناك توجهاً لمراجعته أو إدماجه ضمن منظومة الدعم الاجتماعي المباشر.

كما تساءلت عن إمكانية مراجعة قيمة الدعم الممنوح لكبار السن غير المتوفرين على معاش بما يضمن لهم دخلاً شهرياً لا يقل عن 1000 درهم، انسجاماً مع الالتزامات التي وردت في البرنامج الحكومي.

وتأتي هذه التساؤلات في وقت أكدت فيه الحكومة في مناسبات متعددة أنها تولي اهتماماً خاصاً لتعزيز حقوق كبار السن وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، من خلال عدد من البرامج والمبادرات المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاق الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر.

غير أن عدداً من النقابات ترى أن الإجراءات المتخذة إلى حدود الآن لم ترق بعد إلى مستوى الانتظارات، خاصة في ظل تزايد القلق الاجتماعي المرتبط بالأوضاع المعيشية للمتقاعدين وكبار السن، وتآكل القدرة الشرائية للمعاشات في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي هذا الإطار، كانت فيدرالية الجمعيات الوطنية للمتقاعدين بالمغرب قد وجهت رسالة إلى رئيس الحكومة عبّرت فيها عن قلقها من الأوضاع المادية والصحية والمعنوية التي يعيشها المتقاعدون، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً منهم يواجه صعوبات متزايدة في تلبية متطلبات العيش الكريم بسبب محدودية المعاشات وارتفاع الأسعار.

واعتبرت الفيدرالية أن فئة المتقاعدين أصبحت من أكثر الفئات الاجتماعية هشاشة رغم ما قدمته من مساهمات خلال سنوات العمل، مطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين أوضاعها.

ومن بين هذه المطالب الرفع من الحد الأدنى للمعاشات بما ينسجم مع الحد الأدنى للأجور، وتمكين الأرامل من الاستفادة الكاملة من معاشات أزواجهن بدل النسب الجزئية المعتمدة حالياً، إضافة إلى تحسين التغطية الصحية وتحيين التعريفة الوطنية المرجعية للأدوية والعلاجات الاستشفائية.

كما دعت الفيدرالية إلى اعتماد تعرفة تفضيلية لفائدة المسنين في وسائل النقل الطرقي والسككي والجوي، إلى جانب المؤسسات الفندقية، في إطار السياسات المرتبطة بتعزيز مفهوم الدولة الاجتماعية وضمان شروط العيش الكريم لفئة المسنين.

ويأتي هذا النقاش في سياق أوسع يرتبط بمستقبل منظومة التقاعد في المغرب، حيث عاد ملف إصلاح هذه المنظومة إلى واجهة النقاش العمومي خلال الأشهر الأخيرة، بعد تقارير رسمية حذرت من اختلالات مالية قد تهدد استدامة بعض الصناديق خلال السنوات المقبلة.

كما تتقاطع هذه التحذيرات مع معطيات ديموغرافية تشير إلى تسارع وتيرة الشيخوخة في المجتمع المغربي، إذ توقعت المندوبية السامية للتخطيط في أحدث تقاريرها أن ترتفع نسبة السكان البالغين 60 سنة فما فوق إلى نحو 19,5 في المائة، أي ما يعادل حوالي 7,9 مليون نسمة، بمعدل نمو سنوي يقارب 3 في المائة خلال السنوات الأربع عشرة المقبلة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن قضية تحسين أوضاع كبار السن ستظل أحد أبرز التحديات الاجتماعية التي تواجه السياسات العمومية في المغرب خلال السنوات المقبلة، في ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة وارتفاع الطلب على آليات الحماية الاجتماعية القادرة على ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لفئة متزايدة من المواطنين.

آخر الأخبار