تقرير المندوبية: تراجع الزواج بين الأقارب واستمرار هشاشة كبار السن

الكاتب : الجريدة24

08 أبريل 2026 - 07:00
الخط :

كشفت المندوبية السامية للتخطيط، من خلال نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025، عن تحولات عميقة ومتسارعة تمس بنية الأسرة المغربية وأنماط عيشها ووظائفها الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدة أن هذه التحولات تندرج في سياق دينامية مجتمعية متواصلة تعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة وتوازناتها في ظل التغيرات الديموغرافية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المغرب.

وقال شكيب بنموسى، في كلمة ألقاها خلال لقاء نظمته المندوبية اليوم الأربعاء لتقديم نتائج هذا البحث، إن الأسرة تظل أحد الأعمدة الأساسية للنسيج الاجتماعي، رغم التحولات العميقة التي تعرفها، مشددا على أن هذه الدراسة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى كونها تقدم فهما متعدد الأبعاد لبنية الأسرة ووظائفها في المجتمع المغربي، كما تتيح معطيات دقيقة حول التحولات التي مست أنماط العيش والعلاقات داخل الأسرة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أبرزت بدورها تحولات هامة على مستوى بنية الأسر، سواء من حيث الحجم أو التركيبة أو توزيع الأدوار داخلها، مشيرا إلى أن البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 يأتي في سياق استكمال هذا الجهد الإحصائي، من خلال تقديم معطيات نوعية وكمية تمكن من تحليل أعمق للتغيرات التي تعرفها الأسرة المغربية، خاصة ما يتعلق بالتضامن الأسري ومسارات الحياة والولوج إلى السكن والإدماج الاقتصادي، إضافة إلى التغيرات في توزيع الأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة، فضلا عن علاقتها بالسياسات العمومية.

وأبرز أن هذا البحث، الذي يندرج ضمن سلسلة الدراسات الاجتماعية التي دأبت المندوبية على إنجازها منذ سنة 1995، يروم تحقيق هدفين رئيسيين يتمثلان في فهم أفضل لبنية الأسرة وتنظيمها الداخلي وتحليل دينامياتها، من خلال دراسة المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وكذا توفير قاعدة معطيات مندمجة تتيح تشخيصا دقيقا للأوضاع الاجتماعية ورصدا للتطورات التي تعرفها الأسرة المغربية في سياقها المقارن.

وعلى المستوى المنهجي، أشار إلى أن إعداد هذا البحث تم وفق إطار مفاهيمي منسجم يجمع بين المقاربات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، حيث تم التركيز على مجموعة من المحاور الأساسية، من بينها تركيبة الأسرة، الديناميات الزوجية، الخصوبة، التضامن بين الأجيال، الشبكات العائلية، ومسارات العائلة، إضافة إلى القيم المرتبطة بها.

ومن بين النتائج التي أبرزها البحث، تأكيد النمط النووي للأسرة المغربية كاتجاه عام في إعادة تشكيل أنماط العيش، حيث تمثل الأسر النووية حوالي 73 في المائة من مجموع الأسر، مقابل 61 في المائة سنة 1995، وهو ما يعكس تراجعا ملحوظا في أنماط الأسر الممتدة، كما سجل ارتفاع في نسبة الأزواج بدون أطفال إلى حدود 9,4 في المائة سنة 2025، مقارنة بـ 3,4 في المائة سنة 1995، في مؤشر يعكس تحولات في أنماط الخصوبة والحياة الأسرية.

كما سجل البحث تراجعا في القرب السكني بين أفراد الأسرة، حيث أصبح أفراد الأسرة يقيمون في أماكن متباعدة بشكل أكبر مقارنة مع السابق، وهو ما يؤثر على طبيعة العلاقات العائلية ويقلص من وتيرة التفاعل اليومي، رغم استمرار أشكال من التواصل والدعم عن بعد، مما يعكس تحولا في أشكال التضامن الأسري.

وفي ما يتعلق بالعلاقات داخل الأسرة، أبرزت النتائج وجود تحول في ديناميات السلطة واتخاذ القرار، حيث أظهرت المعطيات أن حوالي 52 في المائة من النساء يشاركن في اتخاذ القرارات داخل الأسرة، مقابل 33,3 في المائة لدى الرجال، كما تم تسجيل تراجع في الزواج بين الأقارب من 29,3 في المائة سنة 1995 إلى 20,9 في المائة سنة 2025، إضافة إلى تراجع الزواج داخل نفس الجماعة الترابية، بما يعكس انفتاحا اجتماعيا وجغرافيا أكبر.

وأفاد البحث بأن الأسرة لا تزال تشكل الإطار الرئيسي لرعاية كبار السن، حيث يعيش 59,3 في المائة منهم مع أسرهم، غير أن هذه الرعاية تواجه تحديات متزايدة، إذ لا يتوفر سوى 9 في المائة منهم على دخل يغطي حاجياتهم، بينما يعتمد 31 في المائة على مساعدات عائلية، وهو ما يبرز أهمية التضامن الأسري في مواجهة الهشاشة الاجتماعية.

كما أظهرت النتائج استمرار الحركية الاجتماعية بين الأجيال، حيث يتمكن حوالي 62 في المائة من الأفراد من تحقيق وضع اجتماعي أفضل من آبائهم، في حين يعرف 21,2 في المائة تراجعا اجتماعيا، وهو ما يعكس دينامية اجتماعية قائمة، رغم التفاوتات القائمة.

وفي جانب آخر، أبرزت الدراسة أن إنجاز البحث اعتمد على عينة تمثيلية تضم 14 ألف أسرة موزعة على مختلف جهات المملكة، وتم جمع المعطيات خلال الفترة الممتدة من 30 ماي إلى 24 دجنبر 2025، باستخدام نظام رقمي لجمع البيانات بمساعدة الحاسوب، مما ساهم في تحسين جودة المعطيات وضمان دقتها من خلال آليات المراقبة والتتبع.

وأشار بنموسى إلى أن هذا البحث يندرج ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تمكين صناع القرار من معطيات دقيقة وموثوقة، تساهم في بلورة سياسات عمومية أكثر فعالية في مجالات الأسرة والحماية الاجتماعية والسكن والتشغيل، مؤكدا أن نشر المعطيات الجزئية سيمكن الباحثين والمؤسسات من استثمارها في دراسات معمقة تعزز الفهم الجماعي للتحولات المجتمعية.

وسجل أن نتائج البحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 تتقاطع مع نتائج بحوث أخرى، خاصة البحث الوطني حول مستوى عيش الأسر لسنة 2025/2026، حيث تبرز العلاقة الوثيقة بين بنية الأسرة وظروف العيش، كما تتقاطع مع البحث الوطني حول استعمال الوقت لسنة 2026، الذي يسلط الضوء على توزيع الزمن داخل الأسرة، خاصة ما يتعلق بالأعباء المنزلية ورعاية الأطفال وكبار السن.

وأكد أن هذه المعطيات تعكس بوضوح أن الأسرة المغربية، رغم التحولات التي تعرفها، لا تزال تشكل ركيزة أساسية في تحقيق التماسك الاجتماعي والتضامن بين الأجيال، غير أن هذه التحولات تفرض تحديات جديدة تتطلب سياسات عمومية متجددة قادرة على مواكبة التغيرات المجتمعية وضمان شروط العيش الكريم لكافة أفراد الأسرة.

وفي ختام كلمته، شدد بنموسى على أهمية الانفتاح على المعطيات الإحصائية وتعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وباحثين ومجتمع مدني ووسائل الإعلام، من أجل تطوير المعرفة وتحسين آليات الرصد والتحليل، بما يساهم في بناء سياسات عمومية قائمة على الأدلة والمعطيات الدقيقة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة.

آخر الأخبار