هل يحقق مونديال 2030 للمغرب مكاسب اقتصادية تفوق تكلفته؟
يشكل تنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم لسنة 2030 محطة مفصلية في المسار التنموي للمغرب، حيث يعول عليه كرافعة استراتيجية لتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز جاذبية البلاد على الصعيد الدولي.
فمنذ الإعلان عن فوز الملف الثلاثي المشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بشرف احتضان هذا الحدث الكروي العالمي، تصاعدت النقاشات حول الجدوى الاقتصادية لهذا الرهان، بين من يرى فيه فرصة تاريخية لتحقيق قفزة نوعية، ومن يحذر من كلفته المالية وتداعياته المحتملة على التوازنات الاقتصادية.
ومع انطلاق التحضيرات الميدانية، تحولت عدد من المدن المغربية إلى أوراش مفتوحة لإعادة تأهيل البنيات التحتية وتحديثها، سواء على مستوى النقل أو السياحة أو المنشآت الرياضية، في إطار رؤية شمولية تهدف إلى استثمار الحدث كوسيلة لتسريع التنمية وليس مجرد مناسبة رياضية عابرة.
ويأتي هذا التوجه في سياق سعي المغرب إلى تعزيز موقعه كوجهة استثمارية وسياحية، مستفيدا من الزخم الدولي الذي يرافق تنظيم تظاهرات كبرى من هذا الحجم.
وفي هذا السياق، ووفقا لتقرير صحيفة أتالايار الإسبانية، فإن صندوق النقد الدولي خصص تحليلا مفصلا لتقييم الآثار الاقتصادية للاستثمارات المرتبطة بالتحضير لكأس العالم 2030 في المغرب، حيث أقر بأهمية هذه المشاريع في دعم النمو الاقتصادي، لكنه في المقابل حذر من انعكاساتها المحتملة على المؤشرات المالية الكبرى، خاصة ما يتعلق بالعجز المالي ومستوى الدين العمومي.
ويبرز التقرير أن البنية التحتية تظل عنصرا محوريا في الاستراتيجية التنموية للمغرب، إذ ساهمت الاستثمارات العمومية خلال العقود الماضية في تحسين الإنتاجية وتعزيز التنافسية الاقتصادية، إلى جانب دعم التكامل الإقليمي.
كما أشار إلى أن نموذج التنمية الجديد يضع البنية التحتية عالية الجودة في صلب أولوياته، بهدف تقليص الفوارق المجالية والاستجابة للطلب المتزايد على الخدمات الأساسية.
ورغم هذا التقدم، يؤكد التقرير أن المغرب لا يزال في حاجة إلى مزيد من الاستثمارات لتحسين جودة البنيات التحتية وتوسيع نطاقها، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالنمو الديمغرافي والتوسع الحضري المتسارع.
ويعتبر أن التحضير لكأس العالم يمثل فرصة لتسريع هذا المسار، شريطة ضمان النجاعة في التنفيذ والتحكم في الكلفة.
وفي ما يتعلق بحجم الاستثمارات المرتقبة، يشير التقرير إلى أن المغرب يخطط لتسريع الإنفاق العمومي على البنيات التحتية خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، بما يعادل نحو 11.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2024، مع توجيه الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات نحو تطوير شبكات السكك الحديدية، وتحديث المطارات، وتحسين الطرق، وبناء وتجديد الملاعب، إضافة إلى تعزيز البنية التحتية الحضرية والسياحية.
ويعتمد تمويل هذه المشاريع بشكل أساسي على تعبئة الموارد الداخلية، من خلال مساهمة المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، إلى جانب دعم محدود من الميزانية العامة، وهو ما يعكس توجها نحو تقاسم الأعباء المالية بين مختلف الفاعلين العموميين.
غير أن هذا الخيار، بحسب التقرير، قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى المديونية خلال مرحلة الإنجاز، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيا مع تحسن مؤشرات النمو.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يساهم هذا البرنامج الاستثماري في تحقيق نمو اقتصادي إضافي، حيث قد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تقارب 2 في المائة بحلول سنة 2030 مقارنة بسيناريو عدم الاستثمار.
كما يُرجح أن تواكب هذه الدينامية زيادة مؤقتة في معدلات التضخم نتيجة ارتفاع الطلب، قبل أن تعود إلى مستويات مستقرة مع تحسن العرض وتعزيز القدرات الإنتاجية.
في المقابل، يحذر التقرير من بعض المخاطر المرتبطة بهذا الورش الكبير، من بينها اتساع العجز المالي وارتفاع الدين العمومي بنسبة قد تتراوح بين 7 و8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة التحضير، إضافة إلى احتمال ارتفاع كلفة التمويل بالنسبة للقطاع الخاص، نتيجة زيادة الاقتراض العمومي، وهو ما قد يؤثر على وتيرة الاستثمار الخاص في المدى القصير.
وتبقى قدرة المغرب على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستثمار وضبط المؤشرات المالية رهينة بمدى نجاعة الحكامة في تدبير هذه المشاريع، حيث يشدد التقرير على ضرورة تعزيز آليات تتبع وتنفيذ الاستثمارات، والحد من مخاطر تجاوز الكلفة، مع إدماج نفقات الصيانة ضمن الميزانيات المستقبلية، لضمان استدامة هذه البنيات بعد انتهاء الحدث.
وفي المحصلة، يبدو أن تنظيم كأس العالم 2030 يحمل في طياته فرصا اقتصادية واعدة للمغرب، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات حقيقية تتطلب تدبيرا دقيقا ومتوازنا، يضمن تحقيق العائد التنموي المنشود دون الإخلال بالتوازنات المالية.
وبين التفاؤل المشروع والحذر الضروري، يبقى نجاح هذا الرهان مرتبطا بقدرة البلاد على تحويل هذا الحدث العالمي إلى رافعة دائمة للنمو والتنمية الشاملة.