البرلمان يعيد فتح ملف المرأة.. إشادة بالمكتسبات وانتقادات لضعف التفعيل
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية التي يقودها عزيز أخنوش، يتجدد النقاش العمومي حول حصيلة الأداء الحكومي في عدد من الملفات الاجتماعية، وعلى رأسها وضعية المرأة المغربية، التي ظلت في صلب الخطاب السياسي والإصلاحات المعلنة خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا النقاش في سياق تتزايد فيه الانتظارات المجتمعية بشأن تحقيق المساواة الفعلية وتعزيز الحماية القانونية والاقتصادية للنساء، مقابل مؤشرات ميدانية تطرح تساؤلات حول مدى نجاعة السياسات العمومية المعتمدة.
وفي هذا الإطار، وجدت وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، نعيمة بنيحيى، نفسها في مواجهة أسئلة حارقة داخل قبة البرلمان، خلال جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة اليوم الإثنين بمجلس النواب، تزامناً مع افتتاح الدورة الربيعية الأخيرة من الولاية التشريعية.
وقد عكست تدخلات النائبات البرلمانيات، من مختلف الفرق السياسية، مستوى القلق المتزايد بشأن وضعية المرأة المغربية، سواء من حيث الحماية من العنف أو الولوج إلى الحقوق الأساسية والفرص الاقتصادية.
وخلال هذه الجلسة، برزت انتقادات من داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء، حيث سلطت النائبة البرلمانية عن فريق التجمع الوطني للأحرار، سلمى بنعزيز، الضوء على معطيات مقلقة تتعلق بانتشار العنف ضد النساء، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من النساء المغربيات، تتراوح أعمارهن بين 15 و74 سنة، يتعرضن لأشكال مختلفة من العنف.
كما أكدت أن حوالي 60 في المائة من النساء لا يمتلكن معرفة كافية بمضامين القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، في حين لا تتجاوز نسبة التبليغ عن هذه الحالات 10 في المائة، وهو ما اعتبرته مؤشراً واضحاً على الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي.
وأوضحت بنعزيز أن هذه الأرقام تعكس تحدياً حقيقياً لا يرتبط فقط بسن القوانين، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة النساء، داعية إلى تكثيف الجهود في مجالات التحسيس والتوعية، وتبسيط المساطر القانونية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المكلفة باستقبال الشكايات والتكفل بالضحايا.
كما شددت على ضرورة تطوير آليات التواصل المؤسساتي حتى تتمكن النساء من معرفة حقوقهن والاستفادة من الحماية التي يتيحها القانون.
من جانبها، أثارت النائبة عن فريق الأصالة والمعاصرة، خديجة حجوبي، إشكالية الولوج إلى العدالة، خاصة بالنسبة للنساء في العالم القروي أو في وضعية هشاشة، معتبرة أن الفوارق المجالية والاجتماعية لا تزال تعرقل استفادة شريحة واسعة من النساء من حقوقهن القانونية.
وأكدت أن هذه الإكراهات تتطلب سياسات عمومية أكثر استهدافاً وفعالية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الفئات الهشة.
بدورها، انتقدت النائبة البرلمانية عن الفريق الاشتراكي، لطيفة الشريف، ما وصفته بغياب خطط عملية كفيلة بتعزيز مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى الحاجة الملحة لمراجعة عدد من التشريعات وتطوير برامج للتكوين والتأهيل، بما يضمن ولوج النساء إلى الموارد المالية وفرص الشغل.
واعتبرت أن التأخر في تحقيق هذه الأهداف ينعكس سلباً على مسار التنمية، ويحد من إمكانيات تحقيق نمو شامل ومستدام.
في السياق ذاته، ذهبت النائبة عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن وضعية المرأة المغربية شهدت تراجعاً خلال الفترة الحالية، وهو ما أرجعته إلى تعثر عدد من الإصلاحات الأساسية، وفي مقدمتها مراجعة مدونة الأسرة، إلى جانب ضعف تفعيل الإجراءات الرامية إلى مكافحة الإفلات من العقاب في قضايا العنف ضد النساء.
كما انتقدت محدودية نجاعة السياسات العمومية الموجهة للنساء، خصوصاً في الوسط القروي، معتبرة أنها لم تحقق الأثر المطلوب على مستوى التمكين الاقتصادي والاجتماعي.
ورغم هذه الانتقادات، عادت سلمى بنعزيز لتأكد على أن المغرب راكم مكتسبات مهمة في مجال تعزيز المساواة بين الجنسين، سواء على المستوى الدستوري أو التشريعي، مشيدة بانخراط المملكة، تحت القيادة الملكية، في الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ هذه المبادئ.
غير أنها شددت في المقابل على أن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن في سن القوانين بقدر ما يرتبط بمدى تفعيلها وضمان وصول النساء فعلياً إلى حقوقهن.
ويعكس هذا النقاش البرلماني تداخلا معقدا بين التقدم التشريعي والتحديات الواقعية، حيث يبرز بوضوح أن وجود إطار قانوني متطور لا يكفي لتحقيق التحول المنشود، في غياب آليات تنفيذ فعالة وسياسات عمومية قادرة على الاستجابة لمختلف الحاجيات الاجتماعية.
كما يطرح هذا الجدل تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، خاصة في ما يتعلق برفع نسبة تشغيل النساء وتعزيز مشاركتهن في مختلف مجالات الحياة العامة.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل ملف المرأة المغربية أحد أبرز الاختبارات الحقيقية لنجاعة السياسات الاجتماعية، خصوصا مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، حيث تتجه الأنظار إلى تقييم الحصيلة الفعلية بعيدا عن الشعارات، والوقوف على مدى تحقيق التقدم المنشود في مجال المساواة والإنصاف، بما يعكس تطلعات المجتمع ويعزز مسار التنمية الشاملة.