بين رهانات الإصلاح وهواجس الأحياء الإسمنتية.. ملف التعمير تحت مجهر البرلمان
شهد مجلس النواب، اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، نقاشا سياسيا وتشريعيا مكثفا حول إصلاح منظومة التعمير والتجزئات العقارية، وذلك خلال اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية، بحضور فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب أديب ابن ابراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان.
وقد خُصص هذا اللقاء لدراسة مشروع القانون رقم 34.21 الرامي إلى تغيير وتتميم القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، في سياق يتسم بتزايد الانتظارات المرتبطة بإصلاح عميق يطال البنية العمرانية والاختلالات التي راكمها هذا القطاع الحيوي على مدى عقود.
وفي خضم المناقشة العامة، برز تباين واضح في مواقف الفرق البرلمانية سواء المعارضة أو الأغلبية بين من يدعو إلى قطيعة حقيقية مع الممارسات السابقة، ومن يعتبر النص خطوة إصلاحية متقدمة تحتاج إلى تجويد في تفاصيلها.
فقد شددت فرق المعارضة على أن مشروع القانون ينبغي أن يشكل مدخلا لإعادة ضبط المجال العمراني ووضع حد لما وصفته بحالة الفوضى التي تعرفها بعض التجزئات، خاصة في ظل استمرار ممارسات مرتبطة بمنح “شواهد التقسيم” خارج الضوابط القانونية، وهو ما يؤدي، بحسب المتدخلين، إلى تفريخ أحياء إسمنتية تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية الضرورية لضمان العيش الكريم.
وأكد يوسف بيزيد، البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية، أن المشروع يتضمن مقتضيات إيجابية من شأنها توضيح عدد من المناطق الرمادية التي شابت التطبيق العملي للقانون الحالي، غير أنه حذر من استمرار بعض السلوكات التي تفتح الباب أمام التلاعب، خصوصا ما يتعلق بقيام بعض الجماعات بمنح وثائق إدارية تقوم مقام مسطرة التقسيم القانونية.
واعتبر أن هذه الممارسات تتناقض مع جهود الدولة في مجال التحفيظ العقاري، حيث يتم في بعض الحالات تفتيت العقارات إلى رسوم متعددة خارج الإطار القانوني، مما يطرح إشكالات قانونية معقدة تستدعي تدخلا تشريعيا أكثر دقة.
ولم يغفل المتحدث الإشارة إلى التداخل القائم بين مقتضيات القانون وأحكام القضاء، متسائلا عن مدى أولوية النص التشريعي في مواجهة الاجتهادات القضائية، خاصة في ما يتعلق بتقسيم العقارات داخل المجال الحضري.
كما حذر من تفاقم ظاهرة البناء العشوائي التي تفرغ جهود إعادة الهيكلة من مضمونها، داعيا إلى تشديد آليات المراقبة واعتماد عقوبات رادعة، فضلا عن ضرورة وضع حد لما يعرف بـ”الترخيص الضمني” الناتج عن صمت الإدارة، والذي يؤدي إلى نزاعات قضائية مكلفة للجماعات الترابية.
من جهته، ركز فاضل براس، عن الفريق الاشتراكي، على الإكراهات المالية والتنظيمية التي تواجه الجماعات في إنجاز المرافق العمومية داخل التجزئات، مشيرا إلى أن بعض المنعشين العقاريين يطالبون بتعويضات مرتفعة تثقل كاهل الميزانيات المحلية وتؤدي إلى نزاعات متكررة.
ودعا إلى إدراج آليات قانونية واضحة تضمن توزيع الأعباء بشكل عادل وتضع حدا لهذه الإشكالات، مع التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة مندمجة تقوم على التنسيق المسبق بين مختلف القطاعات لضمان استغلال فعلي للمرافق العمومية وتفادي بقائها دون استخدام.
في المقابل، عبرت فرق الأغلبية عن دعمها لمشروع القانون، معتبرة إياه إصلاحا هيكليا يهدف إلى تعزيز الأمن القانوني وحماية مدخرات المواطنين وتحفيز الاستثمار.
وأكد أحمد تويزي عن حزب الأصالة والمعاصرة أن النص يشكل منعطفا حاسما في مسار تحديث منظومة التعمير، مبرزا أنه يأتي لتجاوز اختلالات قانون يعود إلى سنة 1990 لم يعد يواكب التحولات الاجتماعية والعمرانية.
كما شدد على أهمية تبسيط المساطر، خاصة بالنسبة للعقارات الصغيرة في الوسط القروي وضواحي المدن، مع اعتماد مقاربة مرنة تحد من انتشار البناء غير القانوني.
بدوره، اعتبر عبد الله غازي النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار أن المشروع يمثل تدخلا تشريعيا دقيقا لمعالجة اختلالات تراكمت لسنوات، مشيرا إلى أنه يهدف إلى تحقيق توازن بين حقوق مختلف المتدخلين، من الدولة والجماعات إلى المستثمرين والمواطنين.
وأبرز أن من شأن هذا النص تحفيز قطاع البناء، الذي يساهم بنسبة مهمة في الاقتصاد الوطني، من خلال توفير بيئة قانونية مستقرة وواضحة.
وفي المقابل، دافعت فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، عن مشروع القانون، معتبرة أنه يشكل “قانون التوازنات الكبرى” الذي يسعى إلى تحقيق انسجام بين مصالح الدولة والمواطنين والمستثمرين.
وأكدت أن الهدف من هذا الإصلاح هو تجاوز حالة الجمود التي عرفها القطاع لعقود، مع توفير إطار قانوني يحمي المنتخبين المحليين ويعزز ثقة المواطنين في الإدارة.
كما شددت على أن النص جاء ثمرة حوار وطني موسع، وأن الحكومة منفتحة على تعديلات البرلمان لتجويده وضمان تنزيله بشكل فعال.
ويعكس هذا النقاش البرلماني حجم الرهانات المرتبطة بإصلاح قطاع التعمير في المغرب، حيث يتقاطع البعد القانوني مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، في ظل الحاجة إلى نموذج عمراني متوازن يضمن كرامة المواطن ويحافظ على هوية المدن، ويؤسس لتنمية مستدامة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.