هل يتم تأجيل الحسم في مشروع القانون الجنائي إلى الولاية الحكومية المقبلة؟
عاد مشروع القانون الجنائي إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، مثيراً من جديد تساؤلات سياسية وقانونية حول مآله التشريعي وإمكانية الحسم فيه قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، في ظل استمرار الخلافات العميقة بشأن عدد من مضامينه وتوجهاته الكبرى.
وفي هذا السياق، أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن مشروع القانون الجنائي لا يزال يواجه تباينات حادة، سواء على مستوى الرؤية أو الخلفيات المرجعية، معتبراً أن حجم هذه الخلافات يجعل من غير المرجح إحالته على المسطرة التشريعية في الظرف الراهن.
وأوضح المسؤول الحكومي أن طبيعة القانون الجنائي تطرح تحديات مركبة، نظراً لعدم قدرته على الإحاطة الشاملة بجميع الأفعال الإجرامية، في ظل ما وصفه بـ"الإبداع الجنائي" الذي يفرز بشكل مستمر أنماطاً جديدة من الجرائم وأساليب مبتكرة في ارتكابها.
وأشار الوزير إلى أن التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، سواء على المستوى التكنولوجي أو الاقتصادي، تفرض على المشرع مواكبة دقيقة ودائمة، مبرزاً أن النقاشات الجارية حول مشروع القانون الجنائي تشمل إدراج جرائم مستجدة، من بينها جرائم هدر الماء، في ظل التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية وتزايد الضغوط البيئية.
واعتبر أن هذه المادة الحيوية مرشحة لأن تكتسي أهمية استراتيجية أكبر في المستقبل، ما يستدعي التفكير في آليات قانونية تجرّم مختلف أشكال تبذيرها، رغم ما يطرحه ذلك من صعوبات على مستوى الإثبات والتكييف القانوني.
في المقابل، أثارت مداخلة النائبة البرلمانية عن الفريق الحركي، فدوى محسن، انتقادات لاذعة لموقف الحكومة، حيث سجلت ما اعتبرته تصاعداً مقلقاً في معدلات الجريمة، مشيرة إلى أن الأمر لم يعد يقتصر على حالات معزولة، بل أصبح يؤثر على الإحساس الجماعي بالأمن، ويطرح تحديات حقيقية أمام استقرار المجتمع.
واعتبرت أن هذا الوضع يضع المنظومة الجنائية الوطنية أمام اختبار فعلي لمدى نجاعتها في تحقيق الردع وحماية المواطنين.
وشددت النائبة البرلمانية على أن متطلبات الاستقرار والتنمية تقتضي بيئة آمنة، داعية إلى بلورة سياسة جنائية حديثة تقوم على التوازن بين الصرامة في مواجهة الجريمة، وضمان حقوق الضحايا، وتعزيز فعالية التدخلات الأمنية.
كما انتقدت استمرار تأخر إخراج مشروع تعديل القانون الجنائي، مبرزة أن سحبه من البرلمان دون إعادته إلى المسطرة التشريعية يثير تساؤلات حول جدية الإصلاح في هذا المجال، خاصة مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية.
ويعكس هذا الجدل المتجدد حول القانون الجنائي حجم التعقيد الذي يطبع ورش الإصلاح القانوني في المغرب، حيث تتقاطع رهانات التحديث مع اعتبارات سياسية ومجتمعية متعددة، ما يجعل التوافق حول مضامينه أمراً بالغ الصعوبة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز احتمال ترحيل هذا الملف إلى الحكومة المقبلة كخيار واقعي، وهو ما من شأنه أن يطيل أمد الانتظار لإقرار إصلاح يعتبره كثيرون أساسيا لمواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، وتعزيز ثقة المواطنين في العدالة الجنائية.