الدار البيضاء تعيد تشكيل قلبها التاريخي وسط قلق اجتماعي متصاعد
يتواصل بمدينة الدار البيضاء تنفيذ واحد من أكبر الأوراش الحضرية المرتبطة بإعادة تهيئة النسيج التاريخي للعاصمة الاقتصادية، في ظل تسارع عمليات الهدم والترحيل داخل أحياء المدينة القديمة، وذلك في إطار تنزيل مشروع “المحج الملكي”، الذي عاد إلى الواجهة بقوة بعد سنوات طويلة من التعثر، وسط جدل متزايد حول تداعياته الاجتماعية والاقتصادية على الساكنة المعنية.
وباشرت السلطات المحلية، صباح يوم الاثنين 20 أبريل 2026، عمليات هدم جديدة استهدفت عدداً من الأزقة والمناطق داخل المدينة القديمة، من بينها “زنقة موحا أو سعيد” و”عرصة الحاج عبد السلام”، إلى جانب مناطق أخرى مثل درب حداوي والنزالة وفندق الخشب، وذلك في إطار تسريع وتيرة تنفيذ المشروع الذي يهدف إلى إعادة تأهيل المجال الحضري وربط المدينة القديمة بمحيط مسجد الحسن الثاني.
وشهدت هذه العمليات تعبئة ميدانية مكثفة، حيث تم الاستعانة بعدد من الجرافات والآليات الثقيلة، تحت إشراف السلطات المحلية وبحضور عناصر الأمن والقوات المساعدة، مع اتخاذ إجراءات استباقية لضمان سلامة التدخل، شملت قطع التيار الكهربائي وشبكات الماء عن الأحياء المعنية، بعد إشعار السكان والتجار بضرورة إخلاء منازلهم ومحلاتهم في آجال محددة.
ووفق المعطيات التي حصلت عليها “الجريدة 24”، فإن عمليات الهدم الأخيرة تأتي امتداداً لسلسلة تدخلات سابقة شملت أحياء درب الرماد ودرب المعيزي ودرب حمان ودرب الطاليان ودرب سينغال ودرب الإنجليز ودرب بوطويل ومنطقة البحيرة، إلى جانب تجمعات سكنية صفيحية، في سياق خطة شاملة لإعادة هيكلة المجال الحضري تمتد على عدة مراحل.
وفي قلب هذه التحولات، برزت مشاهد متباينة بين ساكنة الأحياء المعنية، حيث عبر عدد من المواطنين عن حزنهم لفقدان فضاءات ارتبطت بذاكرتهم لسنوات طويلة، في مقابل آمال لدى آخرين في الاستفادة من سكن بديل يستجيب لشروط العيش الكريم، في وقت يواجه فيه العديد من الأسر والتجار حالة من الغموض بشأن مصيرهم الاجتماعي والمهني.
ويعد مشروع “المحج الملكي” من بين أقدم المشاريع الحضرية التي عرفتها الدار البيضاء، إذ تعود ملامحه الأولى إلى عقود مضت، غير أنه ظل رهين مجموعة من الإكراهات، من بينها تعقيد مساطر نزع الملكية، وصعوبة تدبير ملفات إعادة الإيواء، إلى جانب محدودية التمويل في مراحل سابقة، قبل أن تعرف وتيرته تسارعاً ملحوظاً بعد المصادقة على اتفاقيات تنظيمية جديدة وتعبئة مؤسساتية واسعة.
ويهدف هذا الورش، الذي تقدر كلفته الإجمالية بحوالي 2 مليار درهم، إلى إحداث تحول نوعي في المدينة القديمة، عبر تأهيل الفضاءات العمومية، وترميم البنايات ذات القيمة التاريخية، وإعادة تنظيم الأنشطة التجارية، إلى جانب خلق مسارات سياحية وثقافية جديدة، بما يعزز جاذبية المدينة ويرفع من قدرتها على استقطاب الاستثمارات.
كما يمتد المشروع على مساحة تناهز 50 هكتاراً، ويشمل إحداث مرافق وبنيات تحتية حديثة، من بينها محطات للقطار الجهوي والقطار فائق السرعة، إضافة إلى برامج سكنية جديدة، خاصة في منطقة حي النسيم بالحي الحسني، حيث يرتقب إعادة إسكان جزء من الأسر المتضررة ضمن مشاريع مخصصة لهذا الغرض.
ورغم الأهداف التنموية المعلنة، فإن تسريع وتيرة التنفيذ على أرض الواقع أثار مخاوف متزايدة لدى فئات واسعة من الساكنة، خاصة في ظل محدودية المعطيات المتوفرة بشأن شروط التعويض وإعادة الإيواء، وهو ما يضع العديد من الأسر أمام تحديات مرتبطة بإيجاد سكن بديل في سوق عقارية تعرف ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الكراء.
وفي هذا الإطار، وجد عدد من التجار، خاصة في سوق البحيرة، الذي تم هدمه أمام وضعية صعبة، بعد أن شكلت هذه الفضاءات مصدر دخلهم الرئيسي لعقود، في ظل غياب صيغ التعويض أو بدائل إعادة الإدماج الاقتصادي.
ومن جهتها، عبرت فدرالية رابطة حقوق النساء عن قلقها من الآثار الاجتماعية المترتبة عن عمليات الهدم والإفراغ، معتبرة أن هذه الإجراءات قد تفضي إلى تداعيات عميقة على الأسر، خاصة النساء والأطفال، ودعت إلى ضرورة احترام مبادئ حقوق الإنسان وضمان الكرامة الإنسانية للمتضررين، مع إشراك الساكنة في مختلف مراحل اتخاذ القرار.
وشددت الهيئة ذاتها على أهمية توفير ضمانات عملية، سواء عبر تأمين سكن بديل لائق أو من خلال تعويضات عادلة تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر، إلى جانب اعتماد مقاربة تدريجية في تنفيذ عمليات الترحيل، بما يضمن استقرار الأسر واستمرارية تمدرس الأطفال.
وفي السياق البرلماني، سبق أن أثارت النائبة فاطمة التامني، عن فدرالية اليسار، الموضوع من خلال سؤال كتابي موجه إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، نبهت فيه إلى ما اعتبرته إشكالات قانونية مرتبطة بعمليات الهدم، مشيرة إلى تسجيل حالات تم فيها الاعتماد على إشعارات شفوية مع تحديد آجال قصيرة للإفراغ، دون تسليم قرارات مكتوبة أو توضيح الأساس القانوني المعتمد.
وسجلت التامني أن هذه العمليات، التي انطلقت منذ دجنبر الماضي، طالت مئات الأسر إلى جانب تجار وحرفيين، في إطار تسريع إنجاز المشروع، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترام مقتضيات نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وضمان حق المتضررين في التعويض العادل والولوج إلى مساطر الطعن القضائي.
في المقابل، سبق أن أكدت عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي أن المشروع يندرج ضمن رؤية تنموية شاملة تروم تحسين ظروف العيش وإعادة تأهيل المجال الحضري وفق معايير حديثة، مشيرة إلى أن برامج إعادة الإيواء مبرمجة لفائدة الأسر المعنية، وأن المشروع سيمكن، على المدى المتوسط والبعيد، من خلق فضاءات أكثر تنظيماً وتعزيز الدينامية الاقتصادية للمدينة.
وأشارت الرميلي في إحدى دورات المجلس إلى أن بعض سكان منطقة المحج الملكي سيستفيدون من شقق جديدة في حي النسيم بالحي الحسني، ضمن إطار إعادة الإسكان.
ويعكس الوضع الراهن تعقيد التوازن بين متطلبات التحديث الحضري والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع انتظارات الساكنة المتضررة، في مرحلة انتقالية دقيقة تضع نجاح المشروع على محك القدرة على ضمان الإنصاف والشفافية، بما يحفظ كرامة المواطنين ويعزز الثقة في السياسات العمومية.