هل وضعت الحكومة حدا لفوضى الدعم العشوائي؟

الكاتب : انس شريد

12 مايو 2026 - 07:30
الخط :

أعاد تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم الموسم 2024-2025 النقاش السياسي والمؤسساتي حول حصيلة الحكومة في تدبير عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، خاصة مع اقتراب الولاية الحكومية من مراحلها الأخيرة، وسط تباين في القراءات بين من يعتبر التقرير مؤشرا على نجاح الإصلاحات الجارية، ومن يرى فيه تنبيها واضحا إلى استمرار اختلالات بنيوية تعيق تحقيق النجاعة المطلوبة في تدبير المال العام وتنزيل السياسات العمومية.

وخلال جلسة مناقشة التقرير بمجلس النواب، الثلاثاء، تحولت خلاصات المجلس الأعلى للحسابات إلى محور مواجهة سياسية بين مكونات الأغلبية والمعارضة، خصوصا في ما يتعلق بمدى نجاح الحكومة في الانتقال من منطق الدعم الاجتماعي التقليدي إلى نموذج جديد قائم على الاستهداف المباشر للفئات المستحقة، عبر آليات رقمية ومؤسساتية تسعى، بحسب الأغلبية، إلى القطع مع ما وصفته بـ”عهد الدعم العشوائي”.

وأكدت فرق الأغلبية البرلمانية أن التقرير يحمل مؤشرات إيجابية بخصوص عدد من الأوراش الاستراتيجية التي باشرتها الحكومة، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية والإصلاح الجبائي وإعادة هيكلة أنظمة الدعم، معتبرة أن المجلس الأعلى للحسابات لم يكتف بتسجيل الملاحظات والاختلالات، بل قدم تقييما مؤسساتيا يعكس حجم التحولات الجارية في تدبير السياسات العمومية.

وفي هذا السياق، اعتبرت النائبة البرلمانية سلمى بنعزيز، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، أن التقرير يمثل “بوصلة إجرائية” تؤكد سلامة التوجهات الحكومية، مشددة على أن ورش الحماية الاجتماعية الذي أطلقه المغرب تحت القيادة الملكية دخل مرحلة متقدمة من التنزيل، سواء على مستوى تعميم التغطية الصحية أو إعادة توجيه الدعم الاجتماعي نحو الفئات المستهدفة بشكل أكثر دقة وشفافية.

وقالت بنعزيز إن الحكومة نجحت في الانتقال بملايين المواطنين من نظام “راميد” إلى نظام التأمين الصحي الإجباري “أمو تضامن” خلال فترة وجيزة، معتبرة أن هذا التحول لا يعكس فقط نجاحا تقنيا وإداريا، بل يؤشر على تغيير عميق في فلسفة الدولة الاجتماعية، من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الحق الاجتماعي المضمون قانونيا ومؤسساتيا.

وأضافت المتحدثة ذاتها أن اعتماد السجل الاجتماعي الموحد شكل نقطة تحول في تدبير الدعم العمومي، لأنه سمح بتوجيه المساعدات بناء على معايير ومعطيات دقيقة، بدل الاعتماد على التقديرات أو الآليات التقليدية التي كانت، بحسبها، تفتح المجال أمام اختلالات في الاستفادة وعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين.

وشددت بنعزيز على أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات، رغم إشادته بعدد من المكتسبات، تضمن ملاحظات ينبغي التعامل معها كآليات للتجويد وتحسين الأداء، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية وضمان الاستدامة المالية للأوراش الاجتماعية الكبرى، مؤكدة أن الحكومة مطالبة اليوم بمواصلة الإصلاحات بنفس الوتيرة لمواجهة الضغط المتزايد على الخدمات الاجتماعية والصحية.

في المقابل، أكد فريق الأصالة والمعاصرة أن التقرير لا يمثل مجرد وثيقة تقنية، بل يشكل لحظة مؤسساتية لتقييم واقع التدبير العمومي وربط المسؤولية بالمحاسبة، مشددا على ضرورة تحويل خلاصات المجلس إلى إجراءات عملية قادرة على تحسين الأداء العمومي وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

وقال النائب البرلماني محمد أوضمين إن المغرب حقق تقدما مهما في قطاع الصحة، سواء من خلال الرفع من ميزانية القطاع أو تحسين أوضاع الأطر الصحية، غير أن التحديات المرتبطة بتقليص الفوارق المجالية وضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية ما تزال مطروحة بقوة، داعيا إلى تسريع وتيرة الإصلاحات وربط التنمية بالمجال الترابي بشكل أكثر إنصافا.

ومن جهته، اعتبر الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات دق ناقوس الخطر بشأن عدد من المشاريع العمومية المتعثرة، مشيرا إلى أن استمرار تعثر آلاف المشاريع يطرح تساؤلات حول فعالية الدراسات القبلية وآليات التتبع والتقييم وربط الإنفاق العمومي بالنتائج الميدانية.

وأكد النائب البرلماني العياشي الفرفار أن التقرير يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنه مع مرحلة مفصلية يعرفها المغرب على مستوى تنزيل الأوراش الكبرى، موضحا أن المجلس الأعلى للحسابات قدم معطيات دقيقة حول مستوى تقدم ورش الحماية الاجتماعية، لكنه في المقابل سجل استمرار اختلالات مرتبطة بالحكامة والنجاعة وجودة الخدمات.

كما أبرز التقرير، وفق المتدخلين، أن عددا مهما من المواطنين ما يزال خارج منظومة التغطية الصحية، رغم التقدم المسجل في نسب الاستفادة، وهو ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية وضمان استدامتها المالية والإدارية على المدى الطويل.

ويبدو أن النقاش الذي رافق عرض تقرير المجلس الأعلى للحسابات داخل البرلمان أعاد إلى الواجهة سؤال النجاعة الحقيقية للإصلاحات الحكومية، وحدود الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق التخطيط المؤسساتي طويل الأمد، في وقت تراهن فيه الحكومة على تقديم حصيلة إيجابية مع اقتراب نهاية ولايتها، بينما تواصل المؤسسة الرقابية التنبيه إلى عدد من الاختلالات التي تستدعي مزيدا من اليقظة والتقويم وربط المسؤولية بالمحاسبة.

آخر الأخبار