لقجع يكشف مؤشرات صمود الاقتصاد المغربي رغم أزمة الطاقة
رغم الاضطرابات الجيوسياسية الحادة التي يشهدها العالم منذ بداية السنة الجارية، والتقلبات غير المسبوقة في أسعار الطاقة والمواد الأولية، تراهن الحكومة المغربية على الحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني وتحقيق معدل نمو يفوق التوقعات الدولية خلال سنة 2026، مستندة في ذلك إلى تحسن الموسم الفلاحي، وارتفاع احتياطات العملة الصعبة، وتطور المداخيل الجبائية، إلى جانب استمرار أداء عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية في منحى تصاعدي.
وفي هذا السياق، كشف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أن الاقتصاد الوطني مرشح لتحقيق معدل نمو يفوق 5.3 في المئة خلال سنة 2026، رغم ما وصفه بالإكراهات الطاقية والظرفية الدولية الصعبة التي دفعت صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعات النمو العالمي، مؤكداً أن المؤشرات الاقتصادية والمالية المسجلة إلى حدود نهاية أبريل تعكس “صلابة الاقتصاد الوطني والمالية العمومية” وقدرة المغرب على الحفاظ على توازناته الكبرى.
وأوضح لقجع، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن الحكومة تبني هذه التوقعات الإيجابية على مجموعة من المؤشرات، في مقدمتها التحسن الملحوظ للموسم الفلاحي الحالي، بعدما ساهمت التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها مختلف مناطق المملكة في رفع توقعات محصول الحبوب إلى حوالي 90 مليون قنطار، وهو ما من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على معدلات النمو والقيمة المضافة للقطاع الفلاحي.
وأكد المسؤول الحكومي أن كل زيادة في إنتاج الحبوب بنحو 20 مليون قنطار تساهم في رفع القيمة المضافة بحوالي 0.3 في المئة، معتبراً أن المؤشرات الحالية للموسم الفلاحي ستمنح دفعة قوية للنشاط الاقتصادي الوطني، خاصة في ظل الترابط القائم بين القطاع الفلاحي وباقي القطاعات المرتبطة بالاستهلاك والاستثمار والتشغيل بالعالم القروي.
وأشار الوزير إلى أن هذه التوقعات تأتي في ظرفية دولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي والمالي نتيجة توالي الأزمات الجيوسياسية، وفي مقدمتها الحرب التي اندلعت بمنطقة الشرق الأوسط منذ شهر مارس الماضي، والتي تسببت، بحسب تعبيره، في اضطرابات واسعة على مستوى المبادلات التجارية وسلاسل التوريد العالمية، خصوصاً في قطاع الطاقة.
وأضاف لقجع أن مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خمس المبادلات الطاقية العالمية، أصبح يشكل أحد أبرز بؤر التوتر المؤثرة على الأسواق الدولية، ما أدى إلى ارتفاعات قياسية في أسعار النفط ومختلف المواد الطاقية مقارنة بالمستويات المسجلة قبل اندلاع الأزمة.
وفي هذا الإطار، سجل الوزير أن سعر برميل النفط ارتفع بنسبة 46 في المئة منذ بداية شهر مارس، بعدما انتقل متوسط السعر من 70 دولاراً للبرميل قبل الأزمة إلى 102 دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، مع تسجيل مستويات قصوى بلغت 119 دولاراً للبرميل الواحد.
كما أوضح أن أسعار الغازوال شهدت بدورها ارتفاعاً حاداً ناهز 70 في المئة، حيث بلغ متوسط السعر حوالي 1218 دولاراً للطن، مقابل 717 دولاراً فقط قبل الأزمة، فيما وصلت الأسعار في بعض الفترات إلى مستويات قياسية بلغت 1613 دولاراً للطن.
وامتدت هذه الارتفاعات، بحسب المسؤول الحكومي، إلى غاز البوتان الذي سجل زيادة بنسبة 33 في المئة، بعدما ارتفع متوسط سعره إلى 727 دولاراً، مقارنة بـ547 دولاراً قبل اندلاع الأزمة، إلى جانب مادة الفيول التي ارتفع متوسط سعرها بنسبة 58 في المئة ليستقر في حدود 593 دولاراً للطن مقابل 374 دولاراً سابقاً.
وأشار لقجع أيضاً إلى أن أسعار الغاز الطبيعي سجلت بدورها ارتفاعاً بنسبة 53 في المئة، بعدما انتقل متوسط سعر الميغاوات ساعة من 32 أورو إلى حوالي 49 أورو، وهو ما زاد من الضغوط المفروضة على اقتصادات مختلف دول العالم، خاصة الدول المستوردة للطاقة.
وشدد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية على أن هذه المعطيات لا يتم تقديمها “لا من باب التبرير ولا التهويل”، وإنما من أجل وضع الرأي العام أمام صورة دقيقة للظرفية الدولية التي يتحرك داخلها الاقتصاد الوطني، موضحاً أن تداعيات هذه الأزمات دفعت صندوق النقد الدولي إلى مراجعة توقعاته للنمو العالمي خلال شهر أبريل، حيث خفضها من 3.3 في المئة إلى 3.1 في المئة، مع توقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.4 في المئة مقابل 3.8 في المئة سابقاً.
كما أشار إلى أن التجارة العالمية بدورها مرشحة للتباطؤ خلال السنة الجارية، بعدما خفضت التوقعات المتعلقة بنموها إلى 1.9 في المئة، مقابل 4.6 في المئة المسجلة خلال سنة 2025، وهو ما يعكس حجم الاضطرابات التي تعرفها الأسواق الدولية في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.
ورغم هذه التحديات، أكد لقجع أن الاقتصاد الوطني حافظ على ديناميته خلال السنوات الأخيرة، معتبراً أن النتائج المحققة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 تعزز هذا المنحى الإيجابي، سواء على مستوى المؤشرات المالية أو توازنات القطاع الخارجي.
وفي هذا الصدد، كشف الوزير أن احتياطات المغرب من العملة الصعبة بلغت إلى حدود نهاية أبريل الماضي حوالي 469.8 مليار درهم، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 23.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وهو ما يعادل تغطية 5 أشهر و24 يوماً من الواردات.
واعتبر أن هذا المستوى من الاحتياطات يعكس متانة التوازنات الخارجية للمملكة وقدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على استقراره المالي، مبرزاً أن المغرب بات قريباً من بلوغ مستوى احتياطي يغطي نصف سنة كاملة من الواردات، وهو مؤشر وصفه بالمهم بالنظر إلى ارتباطه المباشر بتطور الصادرات الوطنية وتحويلات العملة الصعبة.
وعلى مستوى الموارد المالية للدولة، أكد الوزير أن المؤشرات الجبائية المسجلة إلى حدود 30 أبريل تعكس بدورها تطوراً لافتاً في المداخيل العمومية، حيث ارتفعت الموارد الجبائية بحوالي 10.4 مليارات درهم، أي بنسبة 8.5 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025، فيما بلغت نسبة الإنجاز 36.3 في المئة.
وأوضح لقجع أن هذا التطور الاستثنائي يعود أساساً إلى الأداء القوي للضريبة على الشركات، التي سجلت زيادة بلغت 9.1 مليارات درهم، أي بارتفاع نسبته 25 في المئة مقارنة مع السنة الماضية، مع وصول نسبة الإنجاز إلى حوالي 49 في المئة إلى حدود نهاية أبريل.
وأكد المسؤول الحكومي أن هذه المؤشرات تعكس استمرار تحسن أداء عدد من القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، إضافة إلى فعالية الإصلاحات المالية والضريبية التي باشرتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، بهدف تعزيز الموارد العمومية والحفاظ على التوازنات المالية في ظل الظرفية الدولية المعقدة.
واعتبر لقجع أن الحكومة تواصل تنفيذ قانون المالية لسنة 2026 وفق التوقعات المحددة، مشيراً إلى أن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي للمملكة يظل رهاناً أساسياً في ظل التحولات الدولية المتسارعة، مؤكداً أن المغرب استطاع، رغم مختلف الإكراهات الخارجية، الحفاظ على مؤشرات إيجابية تعزز الثقة في الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة التقلبات الدولية.