تبخيس أم معالجة.. هل ساهمت تقارير المحاكم المالية في تصحيح الأداء العمومي؟

الكاتب : انس شريد

13 مايو 2026 - 06:30
الخط :

تحولت مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025 داخل مجلس المستشارين إلى محطة سياسية ودستورية عكست حجم التباين في قراءة حصيلة السياسات العمومية بين من يعتبر هذه التقارير آلية للتقويم والتصحيح وتعزيز الحكامة، وبين من يرى أنها تكشف استمرار اختلالات بنيوية تعيق تنزيل عدد من الأوراش الاجتماعية والتنموية الكبرى.

وبين الخطابين، برز توافق نسبي حول أهمية الدور الرقابي الذي تضطلع به المحاكم المالية في ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتوجيه النقاش العمومي نحو تقييم فعلي لنجاعة البرامج العمومية ومدى انعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

وخلال الجلسة التي احتضنها مجلس المستشارين صباح الأربعاء، شددت مكونات الأغلبية على أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للتبخيس السياسي أو التشكيك في مجهودات المؤسسات العمومية، بقدر ما يفترض أن تشكل أرضية موضوعية لتطوير الأداء الإداري وتحسين نجاعة السياسات العمومية، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المملكة، وما يرافقها من رهانات مرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

واعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار أن النقاش المرتبط بتقارير المجلس الأعلى للحسابات يجب أن يظل مؤطرا بروح المسؤولية المؤسساتية بعيدا عن ما وصفه بخطابات “التيئيس والتبخيس”، مؤكدا أن المرحلة الحالية تقتضي تثمين المكتسبات التي تحققت في عدد من الأوراش الإصلاحية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية، مع الاعتراف في الآن ذاته بوجود اختلالات تحتاج إلى المعالجة والتصحيح المستمر.

وأكد رئيس الفريق، محمد البكوري، أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية حقق نتائج وصفها بغير المسبوقة، مبرزا أن الدولة تحملت أزيد من 27 مليار درهم لفائدة الفئات الهشة في إطار نظام “أمو تضامن”، إلى جانب تخصيص حوالي 52 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر، في سياق يهدف إلى توسيع الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض وتحسين شروط الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن الحكومة واصلت في موازاة ذلك إصلاح المالية العمومية عبر توسيع الوعاء الجبائي وتعزيز العدالة الضريبية وربط الميزانية بالأثر والنتائج، معتبرا أن هذه الإصلاحات تعكس توجها جديدا في تدبير الشأن العام يقوم على الانتقال التدريجي من منطق تدبير الوسائل إلى منطق قياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرامج العمومية.

ورغم دفاع الأغلبية عن حصيلة الإصلاحات الاجتماعية، فإن مداخلات عدد من الفرق البرلمانية كشفت استمرار تخوفات مرتبطة بقدرة هذه الأوراش على تحقيق الاستدامة المالية وضمان النجاعة المطلوبة على مستوى التنفيذ الميداني.

وفي هذا السياق، شدد رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، كريم الهمس، على أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات ينبغي التعامل معه باعتباره وثيقة للتصحيح والتطوير وليس أداة للمحاسبة السياسية الضيقة، معتبرا أن المؤسسة الرقابية تلعب دورا أساسيا في تشخيص مكامن الخلل واقتراح البدائل الكفيلة بتحسين تدبير الشأن العام.

وأكد الهمس أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات رصد عددا من العراقيل التي ما تزال تعترض تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، من بينها ارتفاع الأعباء المالية وطول آجال التعويض عن مصاريف المرض وتأخر صرف المستحقات، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بتكاليف العلاج وضعف النجاعة في تدبير بعض الملفات الاجتماعية.

ودعا الحكومة إلى اعتماد توصيات المجلس ضمن المخططات المقبلة، خاصة ما يتعلق بتفعيل الهيئات الجهوية للصحة وتعزيز الحكامة في سوق الأدوية وتشديد الرقابة على القطاع الصحي الخاص.

وفي ملف تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، اعتبر فريق الأصالة والمعاصرة أن البرنامج الممتد بين سنتي 2017 و2023 حقق نتائج مهمة على مستوى فك العزلة وتحسين البنيات التحتية الأساسية، حيث بلغت نسبة إنجاز المشاريع حوالي 98 في المائة بفضل تعبئة مختلف القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية المعنية بالتنمية القروية.

غير أن التقرير، وفق المتحدث ذاته، سجل اختلالات مرتبطة بتوزيع الاعتمادات المالية، بعدما جرى تخصيص نحو 71 في المائة من الميزانية لبناء الطرق والمسالك، مقابل 29 في المائة فقط لباقي المشاريع المتعلقة بالماء والكهرباء والصحة والتعليم.

من جهته، اعتبر رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، عبد السلام اللبار، أن النقاش المرتبط بتقارير المحاكم المالية يتجاوز مجرد تقييم ظرفي للسياسات العمومية، ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بمدى قدرة النموذج التنموي المغربي على تحقيق التوازن المجالي والعدالة الاجتماعية.

وأكد أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل أحد الأعمدة الأساسية لترسيخ الحكامة الجيدة وتحسين أداء المؤسسات العمومية والجماعات الترابية.

وأوضح اللبار أن المغرب انخرط خلال السنوات الأخيرة في ورش إعادة هندسة القرار العمومي من خلال تنزيل الجهوية الموسعة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما خيارين استراتيجيين لتحقيق تنمية ترابية أكثر توازنا، مشددا على أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بإرساء حكامة حديثة وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين وتوسيع مشاركة المواطنين في صياغة القرار العمومي وتقييمه.

وأشار إلى أن التقارير الرقابية تكشف استمرار تحديات بنيوية مرتبطة بتفاوت مستوى التنمية بين الجهات وضعف نجاعة بعض الجماعات الترابية وصعوبة تنزيل المقاربة الترابية للاستثمار، رغم التقدم الذي تحقق على مستوى الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بالحماية الاجتماعية واللاتمركز الإداري والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية.

وأعادت هذه المناقشات إلى الواجهة النقاش المتجدد حول مدى قدرة تقارير المحاكم المالية على إحداث أثر فعلي في مسار تدبير الشأن العام، خاصة وأن عددا من التوصيات التي تتضمنها هذه التقارير يتكرر من سنة إلى أخرى، في ظل استمرار اختلالات مرتبطة بالحكامة وضعف التنسيق وتفاوت نجاعة التنفيذ بين القطاعات والمؤسسات.

وبين خطاب يعتبر هذه التقارير آلية للإصلاح والتقويم، وآخر يوظف مضامينها لتوجيه انتقادات حادة للأداء الحكومي، يظل التحدي الأساسي المطروح هو مدى تحويل خلاصات الرقابة المالية إلى سياسات عملية وإجراءات ملموسة قادرة على تعزيز الثقة في المؤسسات وتحسين نجاعة التدبير العمومي وترسيخ مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

آخر الأخبار